< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah050
Qaaf (50)
The letter Qaaf, makkah, 45 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
خَصَّصَ النَّفْيَ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ ولَمْ يُطْلِقْ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنهُ أنْ يَكُونَ ظالِمًا في غَيْرِ ذَلِكَ الوَقْتِ، وفي حَقَّ غَيْرِ العَبِيدِ وإنْ خَصَّصَ، والفائِدَةُ في التَّخْصِيصِ أنَّهُ أقْرَبُ إلى التَّصْدِيقِ مِنَ التَّعْمِيمِ.
والثّالِثُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ما عَداهُ، لِأنَّهُ نَفى كَوْنَهُ ظَلّامًا ولَمْ يَلْزَمْهُ مِنهُ نَفْيُ كَوْنِهِ ظالِمًا، ونَفى كَوْنَهُ ظَلّامًا لِلْعَبِيدِ، ولَمْ يَلْزِمْهُ مِنهُ نَفْيُ كَوْنِهِ ظَلّامًا لِغَيْرِهِمْ، كَما قالَ في حَقِّ الآدَمِيِّ: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾[فاطر: ٣٢] .
البَحْثُ الثّانِي: قالَ هَهُنا: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ مِن غَيْرِ إضافَةٍ، وقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾[النمل: ٨١]، ﴿وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾[فاطر: ٢٢] عَلى وجْهِ الإضافَةِ، فَما الفَرْقُ بَيْنَهُما ؟ نَقُولُ: الكَلامُ قَدْ يَخْرُجُ أوَّلًا مَخْرَجَ العُمُومِ، ثُمَّ يُخَصَّصُ لِأمْرٍ ما لا لِغَرَضِ التَّخْصِيصِ، يَقُولُ القائِلُ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ ويَكُونُ غَرَضُهُ التَّعْمِيمَ، فَإنْ سَألَ سائِلٌ: يُعْطِي مَن، ويَمْنَعُ مَن ؟ يَقُولُ: زَيْدًا وعَمْرًا، ويَأْتِي بِالمُخَصَّصِ لا لِغَرَضِ التَّخْصِيصِ، وقَدْ يَخْرُجُ أوَّلًا مَخْرَجَ الخُصُوصِ، فَيَقُولُ فُلانٌ يُعْطِي زَيْدًا مالَهُ. إذا عَلِمْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ﴾ كَلامٌ لَوِ اقْتُصِرَ عَلَيْهِ لَكانَ لِلْعُمُومِ، فَأتى بِلَفْظِ العَبِيدِ لا لِكَوْنِ عَدَمِ الظُّلْمِ مُخْتَصًّا بِهِمْ، بَلْ لِكَوْنِهِمْ أقْرَبَ إلى كَوْنِهِمْ مَحَلَّ الظُّلْمِ مِن نَفْسِهِ تَعالى، وأمّا النَّبِيُّ ﷺ فَكانَ في نَفْسِهِ هادِيًا، وإنَّما أرادَ نَفْيَ ذَلِكَ الخاصِّ فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾[النَّمْلِ: ٨١] وما قالَ: ما أنْتَ بِهادٍ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾[الزمر: ٣٦] .
البَحْثُ الثّالِثُ: العَبِيدُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الكُفّارَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ﴾[يس: ٣٠] يَعْنِي أُعَذِّبُهم وما أنا بِظَلّامٍ لَهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ المُؤْمِنِينَ ووَجْهُهُ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: لَوْ أبْدَلْتُ القَوْلَ ورَحِمْتُ الكافِرَ، لَكُنْتُ في تَكْلِيفِ العِبادِ ظالِمًا لِعِبادِيَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنِّي مَنَعْتُهم مِنَ الشَّهَواتِ لِأجْلِ هَذا اليَوْمِ، فَإنْ كانَ يَنالُ مَن لَمْ يَأْتِ بِما أتى المُؤْمِنُ ما يَنالُهُ المُؤْمِنُ، لَكانَ إتْيانُهُ بِما أتى بِهِ مِنَ الإيمانِ والعِبادَةِ غَيْرَ مُفِيدٍ فائِدَةً، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ﴾[الحشر: ٢٠]، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾[الزمر: ٩]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾[النساء: ٩٥] ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ التَّعْمِيمَ. ثُمَّ قالَ تَعالى:
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ .
العامِلُ في (يَوْمَ) ماذا ؟ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: ما أنا بِظَلّامٍ مُطْلَقًا.
والثّانِي: الوَقْتُ، حَيْثُ قالَ ما أنا يَوْمَ
صفحة ١٥٠
كَذا، ولَمْ يَقُلْ: ما أنْ بِظَلّامٍ في سائِرِ الأزْمانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، فَإنْ قِيلَ فَما فائِدَةُ التَّخْصِيصِ ؟ نَقُولُ النَّفْيُ الخاصُّ أقْرَبُ إلى التَّصْدِيقِ مِنَ النَّفْيِ العامِّ؛ لِأنَّ المُتَوَهَّمَ ذَلِكَ، فَإنَّ قاصِرَ النَّظَرِ يَقُولُ: يَوْمَ يُدْخِلُ اللَّهُ عَبْدَهُ الضَّعِيفَ جَهَنَّمَ يَكُونُ ظالِمًا لَهُ، ولا يَقُولُ: بِأنَّهُ يَوْمَ خَلَقَهُ يَرْزُقُهُ ويُرَبِّيهِ يَكُونُ ظالِمًا، ويَتَوَهَّمُ أنَّهُ يَظْلِمُ عَبْدَهُ بِإدْخالِهِ النّارَ، ولا يَتَوَهَّمُ أنَّهُ يَظْلِمُ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَ عَبِيدِهِ المَذْكُورِينَ، ويَتَوَهَّمُ أنَّهُ مَن يُدْخِلُ خَلْقًا كَثِيرًا لا يَجُوزُهُ حَدٌّ ولا يُدْرِكُهُ عَدُّ النّارِ ويَتْرُكُهم فِيهِ زَمانًا لا نِهايَةَ لَهُ كَثِيرُ الظُّلْمِ، فَنَفى ما يُتَوَهَّمُ دُونَ ما لا يُتَوَهَّمُ، وقَوْلُهُ: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ بَيانٌ لِتَصْدِيقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾[السَّجْدَةِ: ١٣]،