< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


فَقالَ:﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ خاشِعِينَ حَقِيرِينَ مُهانِينَ بِسَبَبِ ما لَحِقَهم مِنَ الذُّلِّ، ثُمَّ قالَ: ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أيْ يَبْتَدِئُ نَظَرُهم مِن تَحْرِيكٍ لِأجْفانِهِمْ ضَعِيفٍ خَفِيٍّ بِمُسارَقَةٍ؛ كَما تَرى الَّذِي يَتَيَقَّنُ أنْ يُقْتَلَ فَإنَّهُ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ كَأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَفْتَحَ أجْفانَهُ عَلَيْهِ ويَمْلَأ عَيْنَيْهِ مِنهُ كَما يَفْعَلُ في نَظَرِهِ إلى المَحْبُوباتِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ الكُفّارِ: إنَّهم يُحْشَرُونَ عُمْيًا، فَكَيْفَ قالَ هَهُنا: إنَّهم يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ ؟ قُلْنا: لَعَلَّهم يَكُونُونَ في الِابْتِداءِ هَكَذا، ثُمَّ يُجْعَلُونَ عُمْيًا، أوْ لَعَلَّ هَذا في قَوْمٍ، وذَلِكَ

صفحة ١٥٧

فِي قَوْمٍ آخَرِينَ، ولَمّا وصَفَ اللَّهُ تَعالى حالَ الكُفّارِ حَكى ما يَقُولُهُ المُؤْمِنُونَ فِيهِمْ فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قالَ صاحِبُ“الكَشّافِ”:“ يَوْمَ القِيامَةِ ”إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ“ خَسِرُوا”أوْ يَكُونَ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ واقِعًا في الدُّنْيا، وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ“ قالَ " أيْ: يَقُولُونَ يَوْمَ القِيامَةِ إذا رَأوْهم عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ أيْ دائِمٍ، قالَ القاضِي: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكافِرَ والفاسِقَ يَدُومُ عَذابُهُما، والجَوابُ: أنَّ لَفْظَ الظّالِمِ المُطْلَقِ في القُرْآنِ مَخْصُوصٌ بِالكافِرِ، قالَ تَعالى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ والمَعْنى أنَّ الأصْنامَ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها لِأجْلِ أنْ تَشْفَعَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ما أتَوْا بِتِلْكَ الشَّفاعَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُضِلَّ والهادِيَ هو اللَّهُ تَعالى عَلى ما هو قَوْلُنا ومَذْهَبُنا، واللَّهُ أعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أطْنَبَ في الوَعْدِ والوَعِيدِ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما هو المَقْصُودُ، فَقالَ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾، وقَوْلُهُ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِلَةً لِقَوْلِهِ ﴿لا مَرَدَّ لَهُ﴾ يَعْنِي: لا يَرُدُّهُ اللَّهُ بَعْدَما حَكَمَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِلَةً لِقَوْلِهِ ﴿يَأْتِيَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ يَوْمٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِذَلِكَ اليَوْمِ، فَقِيلَ: يَوْمُ وُرُودِ المَوْتِ، وقِيلَ: يَوْمُ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ وصَفَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِأنَّهُ ﴿لا مَرَدَّ لَهُ﴾ وهَذا الوَصْفُ مَوْجُودٌ في كِلا اليَوْمَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿لا مَرَدَّ لَهُ﴾ أنَّهُ لا يَقْبَلُ التَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرَ أوْ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنْ لا مَرَدَّ فِيهِ إلى حالِ التَّكْلِيفِ حَتّى يَحْصُلَ فِيهِ التَّلافِي.

ثُمَّ قالَ تَعالى في وصْفِ ذَلِكَ اليَوْمِ ﴿ما لَكم مِن مَلْجَإٍ﴾ يَنْفَعُ في التَّخَلُّصِ مِنَ العَذابِ ﴿وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ مِمَّنْ يُنْكِرُ ذَلِكَ حَتّى يَتَغَيَّرَ حالُكم بِسَبَبِ ذَلِكَ المُنْكَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ النَّكِيرِ الإنْكارَ، أيْ: لا تَقْدِرُونَ أنْ تُنْكِرُوا شَيْئًا مِمّا اقْتَرَفْتُمُوهُ مِنَ الأعْمالِ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾