< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


عَلى أنَّ المَجْنِيَّ عَلَيْهِ لا يَجُوزُ لَهُ اسْتِيفاءُ الزِّيادَةِ مِنَ الظّالِمِ؛ لِأنَّ الظّالِمَ فِيما وراءَ ظُلْمِهِ مَعْصُومٌ، والِانْتِصارُ لا يَكادُ يَؤْمَنُ فِيهِ تَجاوُزُ التَّسْوِيَةِ والتَّعَدِّي؛ خُصُوصًا في حالِ الحَرْبِ والتِهابِ الحَمِيَّةِ، فَرُبَّما صارَ المَظْلُومُ عِنْدَ الإقْدامِ عَلى اسْتِيفاءِ القِصاصِ ظالِمًا، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ:«إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ أجْرٌ فَلْيَقُمْ، قالَ:

صفحة ١٥٦

فَيَقُومُ خُلُقٌ فَيُقالُ لَهم: ما أجْرُكم عَلى اللَّهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ الَّذِينَ عَفَوْنا عَمَّنْ ظَلَمَنا، فَيُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى» ”.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَثَّ عَلى العَفْوِ عَنِ الظّالِمِ أخْبَرَ أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لا يُحِبُّهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إذا كانَ لا يُحِبُّهُ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يُنْدَبُ عَلى عَفْوِهِ، فالمُؤْمِنُ الَّذِي هو حَبِيبُ اللَّهِ بِسَبَبِ إيمانِهِ أوْلى أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أيْ ظُلْمِ الظّالِمِ إيّاهُ، وهَذا مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ (فَأُولَئِكَ) يَعْنِي المُنْتَصِرِينَ ﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ كَعُقُوبَةٍ ومُؤاخَذَةٍ لِأنَّهم أتَوْا بِما أُبِيحَ لَهم مِنَ الِانْتِصارِ. واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِهَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ أنَّ سِرايَةَ القَوَدِ مُهْدَرَةٌ، فَقالَ: الشَّرْعُ إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ أذِنَ لَهُ في القَطْعِ مُطْلَقًا أوْ بِشَرْطِ أنْ لا يَحْصُلَ مِنهُ السَّرَيانُ، وهَذا الثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ الأصْلَ في القَطْعِ الحُرْمَةُ، فَإذا كانَ تَجْوِيزُهُ مُعَلَّقًا بِشَرْطِ عَدَمِ السَّرَيانِ، وكانَ هَذا الشَّرْطُ مَجْهُولًا وجَبَ أنْ يَبْقى ذَلِكَ القَطْعُ عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ، لِأنَّ الأصْلَ فِيها هو الحُرْمَةُ، والحِلُّ إنَّما يَحْصُلُ مُعَلَّقًا عَلى شَرْطٍ مَجْهُولٍ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى ذَلِكَ عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الشَّرْعَ أذِنَ لَهُ في القَطْعِ كَيْفَ كانَ، سَواءٌ سَرى أوْ لَمْ يَسْرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ السَّرَيانُ مَضْمُونًا؛ لِأنَّهُ قَدِ انْتَصَرَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ سَبِيلٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ يَبْدَءُونَ بِالظُّلْمِ ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ والمَعْنى ﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ بِأنْ لا يَقْتَصَّ ﴿وغَفَرَ﴾ وتَجاوَزَ ﴿فَإنَّ ذَلِكَ﴾ الصَّبْرَ والتَّجاوُزَ ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ يَعْنِي أنَّ عَزْمَهُ عَلى تَرْكِ الِانْتِصارِ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ الجَيِّدَةِ، وحُذِفَ الرّاجِعُ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِمُ السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، ويُحْكى أنَّ رَجُلًا سَبَّ رَجُلًا في مَجْلِسِ الحَسَنِ، فَكانَ المَسْبُوبُ يَكْظِمُ ويَعْرَقُ فَيَمْسَحُ العَرَقَ، ثُمَّ قامَ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ الحَسَنُ: عَقَلَها واللَّهِ، وفَهِمَها لَمّا ضَيَّعَها الجاهِلُونَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: فَلَيْسَ لَهُ مِن ناصَرٍ يَتَوَلّاهُ مِن بَعْدِ خِذْلانِهِ أيْ مِن بَعْدِ إضْلالِ اللَّهِ إيّاهُ، وهَذا صَرِيحٌ في جَوازِ الإضْلالِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفي أنَّ الهِدايَةَ لَيْسَتْ في مَقْدُورِ أحَدٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، قالَ القاضِي: المُرادُ: مَن يُضْلِلِ اللَّهُ عَنِ الجَنَّةِ فَما لَهُ مَن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ يَنْصُرُهُ، والجَوابُ: أنَّ تَقْيِيدَ الإضْلالِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ المُعَيَّنَةِ خِلافُ الدَّلِيلِ، وأيْضًا فاللَّهُ تَعالى ما أضَلَّهُ عَنِ الجَنَّةِ عَلى قَوْلِكم، بَلْ هو أضَلَّ نَفْسَهُ عَنِ الجَنَّةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾والمُرادُ أنَّهم يَطْلُبُونَ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا لِعِظَمِ ما يُشاهِدُونَ مِنَ العَذابِ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَهم عِنْدَ عَرْضِ النّارِ عَلَيْهِمْ