< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ، وأيْضًا أنَّ السَّفِينَةَ تَكُونُ في غايَةِ الثِّقَلِ، ثُمَّ إنَّها مَعَ ثِقَلِها بَقِيَتْ عَلى وجْهِ الماءِ، وهو أيْضًا دَلالَةٌ أُخْرى.

وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: وهو مَعْرِفَةُ ما فِيها مِنَ المَنافِعِ، فَهو أنَّهُ تَعالى خَصَّ كُلَّ جانِبٍ مِن جَوانِبِ الأرْضِ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ الأمْتِعَةِ، وإذا نُقِلَ مَتاعُ هَذا الجانِبِ إلى ذَلِكَ الجانِبِ في السُّفُنِ، وبِالعَكْسِ - حَصَلَتِ المَنافِعُ العَظِيمَةُ في التِّجارَةِ، فَلِهَذِهِ الأسْبابِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى حالَ هَذِهِ السَّفِينَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو والجُمْهُورُ بِهَمْزَةٍ ﴿إنْ يَشَأْ﴾ لِأنَّ سُكُونَ الهَمْزَةِ عَلامَةٌ لِلْجَزْمِ، وعَنْ وِرَشٍ عَنْ نافِعٍ بِلا هَمْزَةٍ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ ”يُسْكِنِ الرِّياحَ“ عَلى الجَمْعِ، والباقُونَ ﴿الرِّيحَ﴾ عَلى الواحِدِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ (يَظْلَلْنَ) بِفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِها؛ مِن ظَلَّ يَظَلُّ ويَظِلُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَواكِدَ﴾ أيْ رَواتِبَ، أيْ: لا تَجْرِي عَلى ظَهْرِهِ، أيْ عَلى ظَهْرِ البَحْرِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى بَلاءِ اللَّهِ ﴿شَكُورٍ﴾ لِنَعْمائِهِ، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ يَجِبُ أنْ لا يَكُونَ غافِلًا عَنْ دَلائِلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ البَتَّةَ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ إمّا في البَلاءِ، وإمّا في الآلاءِ، فَإنْ كانَ في البَلاءِ كانَ مِنَ الصّابِرِينَ، وإنْ كانَ في النَّعْماءِ كانَ مِنَ الشّاكِرِينَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَإنَّهُ لا يَكُونُ البَتَّةَ مِنَ الغافِلِينَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ يَعْنِي: أوْ يُهْلِكْهُنَّ، يُقالُ أوْبَقَهُ، أيْ أهْلَكَهُ، ويُقالُ لِلْمُجْرِمِ أوْبَقَتْهُ ذُنُوبُهُ، أيْ أهْلَكَتْهُ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى إنْ شاءَ ابْتَلى المُسافِرِينَ في البَحْرِ بِإحْدى بَلِيَّتَيْنِ: إمّا أنْ يُسْكِنَ الرِّيحَ

صفحة ١٥١

فَتَرْكُدَ الجَوارِي عَلى مَتْنِ البَحْرِ وتَقِفُ، وإمّا أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ عاصِفَةً فِيها فَيَهْلِكْنَ بِسَبَبِ الإغْراقِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿يُسْكِنِ﴾ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَرْكُدْنَ، أوْ يَعْصِفْها فَيَغْرَقْنَ بِعَصْفِها، وقَوْلُهُ ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مَعْناهُ إنْ يَشَأْ يُهْلِكْ ناسًا ويُنْجِ ناسًا عَنْ طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، فَإنْ قِيلَ: فَما مَعْنى إدْخالِ العَفْوِ في حُكْمِ الإيباقِ حَيْثُ جُعِلَ مَجْزُومًا مِثْلَهُ ؟ قُلْنا: مَعْناهُ إنْ يَشَأْ يُهْلِكْ ناسًا ويُنْجِ ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، وأمّا مَن قَرَأ ”ويَعْفُو“ فَقَدِ اسْتَأْنَفَ الكَلامَ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: ”يَعْلَمُ“ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ، فالقِراءَةُ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وأمّا بِالنَّصْبِ فَلِلْعَطْفِ عَلى تَعْلِيلِ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ لِيَنْتَقِمَ مِنهم ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا﴾ والعَطْفُ عَلى التَّعْلِيلِ المَحْذُوفِ غَيْرُ عَزِيزٍ في القُرْآنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾[الجاثِيَةِ: ٢٢] قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ومَن قَرَأ عَلى جَزْمِ ”ويَعْلَمْ“ فَكَأنَّهُ قالَ: أوْ إنْ يَشَأْ، يَجْمَعُ بَيْنَ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: هَلاكِ قَوْمٍ، ونَجاةِ قَوْمٍ، وتَحْذِيرِ آخَرِينَ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَعْنى الآيَةِ ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ أيْ يُنازِعُونَ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ، أنْ لا مَخْلَصَ لَهم إذا وقَفَتِ السُّفُنُ، وإذا عَصَفَتِ الرِّياحُ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِاعْتِرافِهِمْ بِأنَّ الإلَهَ النّافِعَ الضّارَّ لَيْسَ إلّا اللَّهَ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ أرْدَفَها بِالتَّفْسِيرِ عَنِ الدُّنْيا وتَحْقِيرِ شَأْنِها، لِأنَّ الَّذِي يَمْنَعُ مِن قَبُولِ الدَّلِيلِ إنَّما هو الرَّغْبَةُ في الدُّنْيا بِسَبَبِ الرِّياسَةِ وطَلَبِ الجاهِ، فَإذا صَغُرَتِ الدُّنْيا في عَيْنِ الرَّجُلِ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْها، فَحِينَئِذٍ يَنْتَفِعُ بِذِكْرِ الدَّلائِلِ، فَقالَ: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ