< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


عَلى القُدْرَةِ تَنْزِيهًا لِلَّهِ تَعالى عَنِ الأعْضاءِ والأجْزاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ تَعالى قَدْ يَتْرُكُ الكَثِيرَ مِن هَذِهِ التَّشْدِيداتِ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، وعَنِ الحَسَنِ قالَ: دَخَلْنا عَلى عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ في الوَجَعِ الشَّدِيدِ، فَقِيلَ لَهُ: إنّا لَنَغْتَمُّ لَكَ مِن بَعْضِ ما نَرى، فَقالَ: لا تَفْعَلُوا، فَواللَّهِ إنَّ أحَبَّهُ إلى اللَّهِ أحَبُّهُ إلَيَّ، وقَرَأ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ فَهَذا بِما كَسَبَتْ يَدايَ وسَيَأْتِينِي عَفْوُ رَبِّي، وقَدْ رَوى أبُو سَخْلَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ: «ما عَفا اللَّهُ عَنْهُ فَهو أعَزُّ وأكْرَمُ مِن أنْ يَعُودَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ، وما عاقَبَ عَلَيْهِ في الدُّنْيا فاللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يُعِيدَ العَذابَ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ» رَواهُ الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“، وقالَ: إذا كانَ كَذَلِكَ فَهَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ ذُنُوبَ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ:

صِنْفٌ كَفَّرَهُ عَنْهم بِالمَصائِبِ في الدُّنْيا، وصِنْفٌ عَفا عَنْهُ في الدُّنْيا، وهو كَرِيمٌ لا يَرْجِعُ في عَفْوِهِ، وهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، وأمّا الكافِرُ فَلِأنَّهُ لا يُعَجِّلُ عَلَيْهِ عُقُوبَةَ ذَنْبِهِ حَتّى يُوافِيَ رَبَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ يَقُولُ ما أنْتُمْ مَعْشَرَ المُشْرِكِينَ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ، أيْ: لا تُعْجِزُونَنِي حَيْثُما كُنْتُمْ، فَلا تَسْبِقُونَنِي بِسَبَبِ هَرَبِكم في الأرْضِ ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ والمُرادُ مَن يَعْبُدُ الأصْنامَ، بَيَّنَ أنَّهُ لا فائِدَةَ فِيها البَتَّةَ، والنَّصِيرُ هو اللَّهُ تَعالى، فَلا جَرَمَ هو الَّذِي تَحْسُنُ عِبادَتُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾

صفحة ١٥٠

﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ”الجَوارِي“ بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، فَإثْباتُ الياءِ عَلى الأصْلِ، وحَذْفُها لِلتَّخْفِيفِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الجَوارِي، يَعْنِي السُّفُنَ الجَوارِيَ، فَحَذَفَ المَوْصُوفَ لِعَدَمِ الِالتِباسِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن آياتِهِ أيْضًا هَذِهِ السُّفُنَ العَظِيمَةَ الَّتِي تَجْرِي عَلى وجْهِ البَحْرِ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّياحِ، واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِهِ أمْرانِ:

أحَدُهُما: أنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى وُجُودِ القادِرِ الحَكِيمِ.

والثّانِي: أنْ يُعَرِّفَ ما فِيهِ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ لِلَّهِ تَعالى عَلى العِبادِ.

أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ بِالأعْلامِ الجِبالُ، قالَتِ الخَنْساءُ في مَرْثِيَّةِ أخِيها:

وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ

ونُقِلَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَنْشَدَ قَصِيدَتَها هَذِهِ، فَلَمّا وصَلَ الرّاوِي إلى هَذا البَيْتِ، قالَ: ”قاتَلَها اللَّهُ، ما رَضِيَتْ بِتَشْبِيهِها لَهُ بِالجَبَلِ حَتّى جَعَلَتْ عَلى رَأْسِهِ نارًا !“ إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ: هَذِهِ السُّفُنُ العَظِيمَةُ الَّتِي تَكُونُ كالجِبالِ تَجْرِي عَلى وجْهِ البَحْرِ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّياحِ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ، وعِنْدَ سُكُونِ هَذِهِ الرِّياحِ تَقِفُ، وقَدْ بَيَّنّا بِالدَّلِيلِ في سُورَةِ النَّحْلِ أنَّ مُحَرِّكَ الرِّياحِ ومُسْكِنَها هو اللَّهُ تَعالى، إذْ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى تَحْرِيكِها مِنَ البَشَرِ ولا عَلى تَسْكِينِها،