< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


ورَسُولُنا أفْضَلُ مِن سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَكانَ بِأنْ لا يَطْلُبَ الأجْرَ عَلى النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ أوْلى.

الثّانِي: أنَّهُ ﷺ صَرَّحَ بِنَفْيِ طَلَبِ الأجْرِ في سائِرِ الآياتِ، فَقالَ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكُمْ﴾[سَبَأٍ: ٤٧] وقالَ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾[ص: ٨٦] .

الثّالِثُ: العَقْلُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ التَّبْلِيغَ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ، قالَ تَعالى: ﴿بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾[المائِدَةِ: ٦٧] وطَلَبُ الأجْرِ عَلى أداءِ الواجِبِ لا يَلِيقُ بِأقَلِّ النّاسِ فَضْلًا عَنْ أعْلَمِ العُلَماءِ.

الرّابِعُ: أنَّ النُّبُوَّةَ أفْضَلُ مِنَ الحِكْمَةِ، وقَدْ قالَ تَعالى في صِفَةِ الحِكْمَةِ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾[البَقَرَةِ: ٢٦٩]، وقالَ في صِفَةِ الدُّنْيا: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾[النِّساءِ: ٧٧]، فَكَيْفَ يَحْسُنُ في العَقْلِ مُقابَلَةُ أشْرَفِ الأشْياءِ بِأخَسِّ الأشْياءِ.

الخامِسُ: أنَّ طَلَبَ الأجْرِ كانَ يُوجِبُ التُّهْمَةَ، وذَلِكَ يُنافِي القَطْعَ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يَطْلُبَ أجْرًا البَتَّةَ عَلى التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ طَلَبَ أجْرًا عَلى التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ، وهو المَوَدَّةُ في القُرْبى هَذا تَقْرِيرُ السُّؤالِ، والجَوابُ عَنْهُ: أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّهُ لا يَجُوزُ طَلَبُ الأجْرِ عَلى التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ، بَقِيَ قَوْلُهُ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا مِن بابِ قَوْلِهِ:

ولا عَيْبَ فِيْهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِها مِن قِراعِ الدّارِعِينَ فُلُولُ

المَعْنى: أنا لا أطْلُبُ مِنكم إلّا هَذا. وهَذا في الحَقِيقَةِ لَيْسَ أجْرًا؛ لِأنَّ حُصُولَ المَوَدَّةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أمْرٌ واجِبٌ، قالَ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾[التَّوْبَةِ: ٧١] وقالَ ﷺ: «المُؤْمِنُونَ كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهم بَعْضًا»، والآياتُ والأخْبارُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ، وإذا كانَ حُصُولُ المَوَدَّةِ بَيْنَ جُمْهُورِ المُسْلِمِينَ واجِبًا، فَحُصُولُها في حَقِّ أشْرَفِ المُسْلِمِينَ وأكابِرِهِمْ أوْلى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، تَقْدِيرُهُ: والمَوَدَّةُ في القُرْبى لَيْسَتْ أجْرًا، فَرَجَعَ الحاصِلُ إلى أنَّهُ لا أجْرَ البَتَّةَ.

الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ . ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أيْ: لَكِنْ أُذَكِّرُكم قَرابَتِي مِنكم، وكَأنَّهُ في اللَّفْظِ أجْرٌ، ولَيْسَ بِأجْرٍ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: نَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ شَهِيدًا. ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ مَغْفُورًا لَهُ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ تائِبًا، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ مُؤْمِنًا مُسْتَكْمِلَ الإيمانِ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ بَشَّرَهُ مَلَكُ المَوْتِ بِالجَنَّةِ، ثُمَّ مُنْكَرٌ ونَكِيرٌ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ يُزَفُّ إلى الجَنَّةِ كَما تُزَفُّ العَرُوسُ إلى بَيْتِ زَوْجِها، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ فُتِحَ لَهُ في قَبْرِهِ بابانِ إلى الجَنَّةِ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ

صفحة ١٤٣

جَعَلَ اللَّهُ قَبْرَهُ مَزارَ مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ عَلى السُّنَّةِ والجَماعَةِ، ألا ومَن ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مَكْتُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، ألا ومَن ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ كافِرًا، ألا ومَن ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ لَمْ يَشُمَّ رائِحَةَ الجَنَّةِ»هَذا هو الَّذِي رَواهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“، وأنا أقُولُ: آلُ