< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


جَزاءً عَلى الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحاتِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ الجَزاءَ المُرَتَّبَ عَلى العَمَلِ إنَّما حَصَلَ بِطَرِيقِ الفَضْلِ لا بِطَرِيقِ الِاسْتِحْقاقِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”يُبَشِّرُ“ مِن بَشَّرَهُ، و”يُبْشِرُ“ مِن أبْشَرَهُ، و”يَبْشُرُ“ مِن بَشَرَهُ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى تَعْظِيمِ حالِ الثَّوابِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ رَتَّبَ عَلى الإيمانِ وعَمَلِ الصّالِحاتِ رَوْضاتِ الجَنّاتِ، والسُّلْطانُ الَّذِي هو أعْظَمُ المَوْجُوداتِ وأكْرَمُهم إذا رَتَّبَ عَلى أعْمالٍ شاقَّةٍ جَزاءً، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ قَدْ بَلَغَ إلى حَيْثُ لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، وقَوْلُهُ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ﴾ يَدْخُلُ في بابِ غَيْرِ المُتَناهِي لِأنَّهُ لا دَرَجَةَ إلّا والإنْسانُ يُرِيدُ ما هو أعْلى مِنها.

الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ والَّذِي يَحْكُمُ بِكِبَرِهِ مَن لَهُ الكِبْرِياءُ والعَظَمَةُ عَلى الإطْلاقِ كانَ في غايَةِ الكِبَرِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى أعادَ البِشارَةَ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ فَقالَ: ﴿الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى غايَةِ العَظَمَةِ، نَسْألُ اللَّهَ الفَوْزَ بِها والوُصُولَ إلَيْها.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْحى إلى مُحَمَّدٍ ﷺ هَذا الكِتابَ الشَّرِيفَ العالِيَ وأوْدَعَ فِيهِ ثَلاثَةَ الأقْسامِ الدَّلائِلَ، وأصْنافَ التَّكالِيفِ، ورَتَّبَ عَلى الطّاعَةِ الثَّوابَ، وعَلى المَعْصِيَةِ العِقابَ، بَيَّنَ أنِّي لا أطْلُبُ مِنكم بِسَبَبِ هَذا التَّبْلِيغِ نَفْعًا عاجِلًا ومَطْلُوبًا حاضِرًا، لِئَلّا يَتَخَيَّلَ جاهِلٌ أنَّ مَقْصُودَ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن هَذا التَّبْلِيغِ المالُ والجاهُ، فَقالَ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ النّاسُ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةَ أقْوالٍ:

الأوَّلُ: قالَ الشَّعْبِيُّ: أكْثَرَ النّاسُ عَلَيْنا في هَذِهِ الآيَةِ، فَكَتَبْنا إلى ابْنِ عَبّاسٍ نَسْألُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَكَتَبَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ واسِطَ النَّسَبِ مِن قُرَيْشٍ، لَيْسَ بَطْنٌ مِن بُطُونِهِمْ إلّا وقَدْ ولَدَهُ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكُمْ﴾ عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ ﴿أجْرًا إلّا﴾ أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي مِنكم، والمَعْنى: أنَّكم قَوْمِي وأحَقُّ مَن أجابَنِي وأطاعَنِي، فَإذا قَدْ أبَيْتُمْ ذَلِكَ، فاحْفَظُوا حَقَّ القُرْبى ولا تُؤْذُونِي ولا تُهَيِّجُوا عَلَيَّ.

والقَوْلُ الثّانِي: رَوى الكَلْبِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ كانَتْ تَعْرُوهُ نَوائِبُ وحُقُوقٌ، ولَيْسَ في يَدِهِ سَعَةٌ، فَقالَ الأنْصارُ: إنَّ هَذا الرَّجُلَ قَدْ هَداكُمُ اللَّهُ عَلى يَدِهِ، وهو ابْنُ أُخْتِكم، وجارُكم في بَلَدِكم، فاجْمَعُوا لَهُ طائِفَةً مِن أمْوالِكم، فَفَعَلُوا، ثُمَّ أتَوْهُ بِهِ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا»﴾ أيْ: عَلى الإيمانِ؛ إلّا أنْ تَوَدُّوا أقارِبِي، فَحَثَّهم عَلى مَوَدَّةِ أقارِبِهِ.

صفحة ١٤٢

القَوْلُ الثّالِثُ: ما ذَكَرَهُ الحَسَنُ، فَقالَ: إلّا أنْ تَوَدُّوا إلى اللَّهِ فِيما يُقَرِّبُكم إلَيْهِ مِنَ التَّوَدُّدِ إلَيْهِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، فالقُرْبى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ القَرابَةُ الَّتِي هي بِمَعْنى الرَّحِمِ، وعَلى الثّانِي القَرابَةُ الَّتِي هي بِمَعْنى الأقارِبِ، وعَلى الثّالِثِ هي ”فُعْلى“ مِنَ القُرْبِ والتَّقْرِيبِ، فَإنْ قِيلَ: الآيَةُ مُشْكِلَةٌ، ذَلِكَ لِأنَّ طَلَبَ الأجْرِ عَلى تَبْلِيغِ الوَحْيِ لا يَجُوزُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ أكْثَرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أنَّهم صَرَّحُوا بِنَفْيِ طَلَبِ الأُجْرَةِ، فَذَكَرَ في قِصَّةِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾[الشُّعَراءِ: ١٠٩]وكَذا في قِصَّةِ هُودٍ وصالِحٍ، وفي قِصَّةِ لُوطٍ وشُعَيْبٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ،