< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


وأرْجُلَكُمْ﴾[الأعْرافِ: ١٢٤] ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾[الفَتْحِ: ٢٥] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿زُيِّنَ﴾ لا بُدَّ لَهُ مِنَ المُزَيِّنِ، فَقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ الشَّيْطانُ، فَقِيلَ لَهم: إنْ كانَ المُزَيِّنُ لِفِرْعَوْنَ هو الشَّيْطانُ، فالمُزَيِّنُ لِلشَّيْطانِ إنْ كانَ شَيْطانًا آخَرَ لَزِمَ إثْباتُ التَّسَلْسُلِ في الشَّياطِينِ أوِ الدَّوْرِ وهو مُحالٌ، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ وجَبَ انْتِهاءُ الأسْبابِ والمُسَبِّباتِ في دَرَجاتِ الحاجاتِ إلى واجِبِ الوُجُودِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ ﴿زُيِّنَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْءَ إنْ لَمْ يَكُنْ في اعْتِقادِ الفاعِلِ مَوْصُوفًا بِأنَّهُ خَيْرٌ وزِينَةٌ وحُسْنٌ فَإنَّهُ لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ الِاعْتِقادَ إنْ كانَ صَوابًا فَهو العِلْمُ، وإنْ كانَ خَطَأً فَهو الجَهْلُ، فَفاعِلُ ذَلِكَ الجَهْلِ لَيْسَ هو ذَلِكَ الإنْسانُ؛ لِأنَّ العاقِلَ لا يَقْصِدُ تَحْصِيلَ الجَهْلِ لِنَفْسِهِ، ولِأنَّهُ إنَّما يَقْصِدُ تَحْصِيلَ الجَهْلِ لِنَفْسِهِ إذا عَرَفَ كَوْنَهُ جَهْلًا، ومَتى عَرَفَ كَوْنَهُ جَهْلًا امْتَنَعَ بَقاؤُهُ جاهِلًا، فَثَبَتَ أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ الجَهْلِ لَيْسَ هو ذَلِكَ الإنْسانُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ هو الشَّيْطانُ؛ لِأنَّ البَحْثَ الأوَّلَ بِعَيْنِهِ عائِدٌ فِيهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ هو اللَّهُ تَعالى. واللَّهُ أعْلَمُ. ويُقَوِّي ما قُلْناهُ أنَّ صاحِبَ ”الكَشّافِ“ نَقَلَ أنَّهُ قُرِئَ ”وزَيَّنَ لَهُ سُوءَ عَمَلِهِ“ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ والفِعْلُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إلى إلَهِ مُوسى﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ والتَّبابُ الهَلاكُ والخُسْرانُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾[هُودٍ: ١٠١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾[المَسَدِ: ١] . واللَّهُ أعْلَمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ ياقَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾﴿ياقَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾﴿ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾﴿تَدْعُونَنِي لِأكْفُرَ بِاللَّهِ وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ﴾﴿لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكم وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن بَقِيَّةِ كَلامِ الَّذِي آمَنَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وقَدْ كانَ يَدْعُوهم إلى الإيمانِ بِمُوسى والتَّمَسُّكِ بِطَرِيقَتِهِ. واعْلَمْ أنَّهُ نادى في قَوْمِهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ: في المَرَّةِ الأُولى دَعاهم إلى قَبُولِ ذَلِكَ الدِّينِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وفي المَرَّتَيْنِ الباقِيَتَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ.

أمّا الإجْمالُ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ياقَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ ولَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُونِ﴾ طَرِيقَةَ التَّقْلِيدِ؛ لِأنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ والهَدْيُ هو الدِّلالَةُ، ومِن بَيَّنَ الأدِلَّةَ لِلْغَيْرِ يُوصَفُ بِأنَّهُ هَداهُ، وسَبِيلُ الرَّشادِ هو سَبِيلُ الثَّوابِ والخَيْرِ وما يُؤَدِّي إلَيْهِ؛ لِأنَّ الرَّشادَ نَقِيضُ الغَيِّ، وفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأنَّ ما عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ هو سَبِيلُ الغَيِّ.

وأمّا التَّفْصِيلُ فَهو أنَّهُ بَيَّنَ حَقارَةَ حالِ الدُّنْيا وكَمالَ حالِ الآخِرَةِ، أمّا حَقارَةُ الدُّنْيا فَهي قَوْلُهُ: ﴿ياقَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ﴾والمَعْنى أنَّهُ يَسْتَمْتِعُ بِهَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا في أيّامٍ قَلِيلَةٍ، ثُمَّ تَنْقَطِعُ وتَزُولُ، وأمّا الآخِرَةُ فَهي دارُ القَرارِ والبَقاءِ والدَّوامِ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ الآخِرَةَ باقِيَةٌ دائِمَةٌ، والدُّنْيا مُنْقَضِيَةٌ مُنْقَرِضَةٌ، والدّائِمُ خَيْرٌ مِنَ المُنْقَضِي، وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: لَوْ كانَتِ الدُّنْيا ذَهَبًا فانِيًا، والآخِرَةُ خَزَفًا