< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah040
Ghafir (40)
The Forgiver, makkah, 85 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
عَنْ إظْهارِ دِينِهِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ تَكُونُ الأسْئِلَةُ الثَّلاثَةُ مَدْفُوعَةً.
وأمّا السُّؤالُ الثّانِي، وهو قَوْلُهُ: كانَ الأوْلى أنْ يُقالَ: يُصِبْكم كُلُّ الَّذِي يَعِدُكم، فالجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: أنَّ مَدارَ هَذا الِاسْتِدْلالِ عَلى إظْهارِ الإنْصافِ وتَرْكِ اللِّجاجِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ إنْ كانَ كاذِبًا كانَ ضَرَرُ كَذِبِهِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ، وإنْ كانَ صادِقًا فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَصِلَ إلَيْكم بَعْضُ ما يَعِدُكم، وإنْ كانَ المَقْصُودُ مِن هَذا
صفحة ٥٢
الكَلامِ ما ذُكِرَ صَحَّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾[سَبَأٍ: ٢٤]، والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَوَعَّدُهم بِعَذابِ الدُّنْيا وبِعَذابِ الآخِرَةِ، فَإذا وصَلَ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا عَذابُ الدُّنْيا فَقَدْ أصابَهم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُهم بِهِ، الوَجْهُ الثّالِثُ: حُكِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ: وُرُودُ لَفْظِ البَعْضِ بِمَعْنى الكُلِّ جائِزٌ، واحْتَجَّ بِقَوْلِ لَبِيدٍ:تَراكَ أمْكِنَةٌ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمامَها
والجُمْهُورُ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ خَطَأٌ، قالُوا: وأرادَ لَبِيدٌ بِبَعْضِ النُّفُوسِ نَفْسَهُ. واللَّهُ أعْلَمُ.ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذا المُؤْمِنِ حِكايَةً ثالِثَةً في أنَّهُ لا يَجُوزُ إيذاءُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾[غافِرٍ: ٣٤] وتَقْرِيرُ هَذا الدَّلِيلِ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى هَدى مُوسى إلى الإتْيانِ بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ، ومَن هَداهُ اللَّهُ إلى الإتْيانِ بِالمُعْجِزاتِ لا يَكُونُ مُسْرِفًا كَذّابًا، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ مِنَ الكاذِبِينَ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ إشارَةً إلى عُلُوِّ شَأْنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى طَرِيقِ الرَّمْزِ والتَّعْرِيضِ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ فِرْعَوْنَ مُسْرِفٌ في عَزْمِهِ عَلى قَتْلِ مُوسى، كَذّابٌ في إقْدامِهِ عَلى ادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ، واللَّهُ لا يَهْدِي مَن هَذا شَأْنُهُ وصِفَتُهُ، بَلْ يُبْطِلُهُ ويَهْدِمُ أمْرَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياقَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ ياقَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾
اعْلَمْ أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ لَمّا أقامَ أنْواعَ الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الإقْدامُ عَلى قَتْلِ مُوسى، خَوَّفَهم في ذَلِكَ بِعَذابِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ﴾ يَعْنِي قَدْ عَلَوْتُمُ النّاسَ وقَهَرْتُمُوهم، فَلا تُفْسِدُوا أمْرَكم عَلى أنْفُسِكم ولا تَتَعَرَّضُوا لِبَأْسِ اللَّهِ وعَذابِهِ، فَإنَّهُ لا قِبَلَ لَكم بِهِ، وإنَّما قالَ: ﴿يَنْصُرُنا﴾ و﴿جاءَنا﴾ لِأنَّهُ كانَ يُظْهِرُ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ مِنهم وأنَّ الَّذِي يَنْصَحُهم بِهِ هو مُشارِكٌ لَهم فِيهِ، ولَمّا قالَ ذَلِكَ المُؤْمِنُ هَذا الكَلامَ ﴿قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى﴾ أيْ لا أُشِيرُ إلَيْكم بِرَأْيٍ سِوى ما ذَكَرْتُهُ أنَّهُ يَجِبُ قَتْلُهُ حَسْمًا
صفحة ٥٣
لِمادَّةِ الفِتْنَةِ ﴿وما أهْدِيكُمْ﴾ بِهَذا الرَّأْيِ ﴿إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ والصَّلاحِ، ثُمَّ حَكى تَعالى أنَّ ذَلِكَ المُؤْمِنَ رَدَّ هَذا الكَلامَ عَلى فِرْعَوْنَ فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ .واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ ذَلِكَ المُؤْمِنِ أنَّهُ كانَ يَكْتُمُ إيمانَهُ، والَّذِي يَكْتُمُ كَيْفَ يُمْكِنُهُ أنَّ يَذْكُرَ هَذِهِ الكَلِماتِ مَعَ فِرْعَوْنَ، ولِهَذا السَّبَبِ حَصَلَ هاهُنا قَوْلانِ؛ الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾لَمْ يُصَرِّحْ