< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


خَوْفِهِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ فَإنَّما ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ يَعْنِي أنِّي أقْتُلُهُ فَلْيَقُلْ لِرَبِّهِ حَتّى يُخَلِّصَهُ مِنِّي.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: فَتَحَ ابْنُ كَثِيرٍ الياءَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ذَرُونِي﴾ وفَتَحَ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو الياءَ مِن ﴿إنِّي أخافُ﴾ وأيْضًا قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عُمَرَ ”وأنْ يُظْهِرُوا“ بِالواوِ وبِحَذْفِ (أوْ) يَعْنِي أنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ تَبْدِيلِ الدِّينِ وبَيْنَ إظْهارِ المَفاسِدِ، والَّذِينَ قَرَءُوا بِصِيغَةِ (أوْ) فَمَعْناهُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِ أحَدِ الأمْرَيْنِ وقُرِئَ ”يُظْهِرَ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ و(الفَسادَ) بِالنَّصْبِ عَلى التَّعْدِيَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِلَفْظِ (أوْ يَظْهَرَ) بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ، و(الفَسادُ) بِالرَّفْعِ، أمّا وجْهُ القِراءَةِ الأُولى فَهو أنَّهُ أسْنَدَ الفِعْلَ إلىمُوسى في قَوْلِهِ: ﴿يُبَدِّلَ﴾ فَكَذَلِكَ في (يُظْهِرَ) لِيَكُونَ الكَلامُ عَلى نَسَقٍ واحِدٍ، وأمّا وجْهُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَهو أنَّهُ إذا بَدَّلَ الدِّينَ فَقَدْ ظَهَرَ الفَسادُ الحاصِلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّبْدِيلِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ السَّبَبِ المُوجِبِ لِقَتْلِهِ وهو أنَّ وجُودَهُ يُوجِبُ إمّا فَسادَ الدِّينِ أوْ فَسادَ الدُّنْيا، أمّا فَسادُ الدِّينِ فَلِأنَّ القَوْمَ اعْتَقَدُوا أنَّ الدِّينَ الصَّحِيحَ هو الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ، فَلَمّا كانَ

صفحة ٤٩

مُوسى ساعِيًا في إفْسادِهِ كانَ في اعْتِقادِهِمْ أنَّهُ ساعٍ في إفْسادِ الدِّينِ الحَقِّ، وأمّا فَسادُ الدُّنْيا فَهو أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ قَوْمٌ ويَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِ الخُصُوماتِ وإثارَةِ الفِتَنِ، ولَمّا كانَ حُبُّ النّاسِ لِأدْيانِهِمْ فَوْقَ حُبِّهِمْ لِأمْوالِهِمْ لا جَرَمَ بَدَأ فِرْعَوْنُ بِذِكْرِ الدِّينِ فَقالَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ فَسادِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ .

* * *

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ فِرْعَوْنَ هَذا الكَلامَ حَكى بَعْدَهُ ما ذَكَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”عُذْتُ“ بِإدْغامِ الذّالِ في التّاءِ والباقُونَ بِالإظْهارِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَعْنى أنَّهُ لَمْ يَأْتِ في دَفْعِ شَرِّهِ إلّا بِأنِ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ واعْتَمَدَ عَلى فَضْلِ اللَّهِ، لا جَرَمَ صانَهُ اللَّهُ عَنْ كُلِّ بَلِيَّةٍ وأوْصَلَهُ إلى كُلِّ أُمْنِيَةٍ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ الَّتِي ذَكَرَها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ تَشْتَمِلُ عَلى فَوائِدَ:

الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ لَفْظَةَ ”إنِّي“ تَدُلُّ عَلى التَّأْكِيدِ، فَهَذا يُدَلِّلُ عَلى أنَّ الطَّرِيقَ المُؤَكَّدَ المُعْتَبَرَ في دَفْعِ الشُّرُورِ والآفاتِ عَنِ النَّفْسِ الِاعْتِمادُ عَلى اللَّهِ والتَّوَكُّلُ عَلى عِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى.

الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ فَكَما أنَّ عِنْدَ القِراءَةِ يَقُولُ المُسْلِمُ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، فاللَّهُ تَعالى يَصُونُ دِينَهُ وإخْلاصَهُ عَنْ وساوِسِ شَياطِينِ الجِنِّ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ تَوَجُّهِ الآفاتِ والمَخافاتِ مِن شَياطِينِ الإنْسِ إذا قالَ المُسْلِمُ: أعُوذُ بِاللَّهِ، فاللَّهُ يَصُونُهُ عَنْ كُلِّ الآفاتِ والمَخافاتِ.

الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ والمَعْنى كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي رَبّانِي وإلى دَرَجاتِ الخَيْرِ رَقّانِي، ومِنَ الآفاتِ وقانِي، وأعْطانِي نِعَمًا لا حَدَّ لَها ولا حَصْرَ، فَلَمّا كانَ المَوْلى لَيْسَ إلّا اللَّهُ وجَبَ أنْ لا يَرْجِعَ العاقِلُ في دَفْعِ كُلِّ الآفاتِ إلّا إلى حِفْظِ اللَّهِ تَعالى.

الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ورَبِّكُمْ﴾فِيهِ بَعْثٌ لِقَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنْ يَقْتَدُوا بِهِ في الِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ، والمَعْنى فِيهِ أنَّ الأرْواحَ الطّاهِرَةَ القَوِيَّةَ إذا تَطابَقَتْ عَلى هِمَّةٍ واحِدَةٍ قَوِيَ ذَلِكَ التَّأْثِيرُ جِدًّا، وذَلِكَ