< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah040
Ghafir (40)
The Forgiver, makkah, 85 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
١٢] وقالَ: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾[الأعْرافُ: ٥٤] . والرُّكْنُ الرّابِعُ: الأنْبِياءُ الَّذِينَ يُلْقِي اللَّهُ الوَحْيَ إلَيْهِمْ وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ . والرُّكْنُ الخامِسُ: تَعْيِينُ الغَرَضِ والمَقْصُودِ الأصْلِيِّ مِن إلْقاءِ هَذا الوَحْيِ إلَيْهِمْ، وذَلِكَ هو أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَصْرِفُونَ الخَلْقَ مِن عالَمِ الدُّنْيا إلى عالَمِ الآخِرَةِ، ويَحْمِلُونَهم عَلى الإعْراضِ عَنْ هَذِهِ الجُسْمانِيّاتِ والإقْبالِ عَلى الرُّوحانِيّاتِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ فَهَذا تَرْتِيبٌ عَجِيبٌ يَدُلُّ عَلى هَذِهِ الإشاراتِ العالِيَةِ مِن عُلُومِ المُكاشَفاتِ الإلَهِيَّةِ.
وبَقِيَ هاهُنا أنْ نُبَيِّنَ أنَّهُ ما السَّبَبُ في تَسْمِيَةِ يَوْمِ القِيامَةِ بِيَوْمِ التَّلاقِ؟ وكَمِ الصِّفاتُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ لِيَوْمِ التَّلاقِ؟
أمّا السَّبَبُ في تَسْمِيَةِ يَوْمِ القِيامَةِ بِيَوْمِ التَّلاقِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ الأرْواحَ كانَتْ مُتَبايِنَةً عَنِ الأجْسادِ فَإذا جاءَ يَوْمُ القِيامَةِ صارَتِ الأرْواحُ مُلاقِيَةً لِلْأجْسادِ فَكانَ ذَلِكَ اليَوْمُ يَوْمَ التَّلاقِ.
الثّانِي: أنَّ الخَلائِقَ يَتَلاقَوْنَ فِيهِ فَيَقِفُ بَعْضُهم عَلى حالِ البَعْضِ.
الثّالِثُ: أنَّ أهْلَ السَّماءِ يَنْزِلُونَ عَلى أهْلِ الأرْضِ فَيَلْتَقِي فِيهِ أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ الأرْضِ، قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾[الفُرْقانِ: ٢٥]
الرّابِعُ: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَصِلُ إلى جَزاءِ عَمَلِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَكانَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّلاقِ، هو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ لَقِيَ عَمَلَهُ.
الخامِسُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَأْخُوذًا مِن قَوْلِهِ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾[الكَهْفِ: ١١٠] ومِن قَوْلِهِ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾[الأحْزابِ: ٤٤] .
السّادِسُ: يَوْمٌ يَلْتَقِي فِيهِ العابِدُونَ والمَعْبُودُونَ.
السّابِعُ: يَوْمٌ يَلْتَقِي فِيهِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وآخِرُ ولَدِهِ.
الثّامِنُ: قالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ يَوْمٌ يَلْتَقِي فِيهِ الظّالِمُ والمَظْلُومُ، فَرُبَّما ظَلَمَ الرَّجُلُ رَجُلًا وانْفَصَلَ عَنْهُ، ولَوْ أرادَ أنْ يَجِدَهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ ولَمْ يَعْرِفْهُ، فَفي يَوْمِ القِيامَةِ يَحْضُرانِ ويَلْقى بَعْضُهم بَعْضًا.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (التَّلاقِي والتَّنادِي) بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، و(هادِي وواقِي)، بِالياءِ في الوَقْفِ، وبِالتَّنْوِينِ في الوَصْلِ.
وأمّا بَيانُ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَمْ عَدَّدَ مِنَ الصِّفاتِ ووَصَفَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَنَقُولُ:
الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهُ يَوْمَ التَّلاقِ، وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَهُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ وفي تَفْسِيرِ هَذا البُرُوزِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهم بَرَزُوا عَنْ بَواطِنِ القُبُورِ. الثّانِي: بارِزُونَ؛ أيْ ظاهِرُونَ لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ مِن جَبَلٍ أوْ أكَمَةٍ أوْ بِناءٍ؛ لِأنَّ الأرْضَ بارِزَةٌ قاعٌ
صفحة ٤١
صَفْصَفٌ، ولَيْسَ عَلَيْهِمْ أيْضًا ثِيابٌ إنَّما هم عُراةٌ مَكْشُوفُونَ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: ”«يُحْشَرُونَ عُراةً حُفاةً غُرْلًا» “ . الثّالِثُ: أنْ يُجْعَلَ كَوْنُهم بارِزِينَ كِنايَةً عَنْ ظُهُورِ أعْمالِهِمْ وانْكِشافِ أسْرارِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾[الطّارِقِ: ٩] . الرّابِعُ: أنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ النّاطِقَةَ البَشَرِيَّةَ كَأنَّها في الدُّنْيا انْغَمَسَتْ في ظُلُماتِ أعْمالِ الأبْدانِ، فَإذا جاءَ يَوْمُ القِيامَةِ أعْرَضَتْ عَنِ الِاشْتِغالِ بِتَدْبِيرِ الجُسْمانِيّاتِ وتَوَجَّهَتْ بِالكُلِّيَّةِ إلى عالَمِ القِيامَةِ ومَجْمَعِ الرُّوحانِيّاتِ، فَكَأنَّها بَرَزَتْ بَعْدَ أنْ كانَتْ كامِنَةً في الجُسْمانِيّاتِ مُسْتَتِرَةً بِها.الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ والمُرادُ يَوْمٌ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ، والمَقْصُودُ مِنهُ الوَعِيدُ فَإنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم إذا بَرَزُوا مِن قُبُورِهِمْ واجْتَمَعُوا وتَلاقَوْا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ ما فَعَلَهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم فَيُجازِي كُلًّا بِحَسْبِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، فَهم وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا تَفْصِيلَ ما فَعَلُوهُ، فاللَّهُ تَعالى عالِمٌ بِذَلِكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾[الحاقَّةِ: ١٨] وقالَ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾[الطّارِقِ: ٩] وقالَ: