< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


ذَلِكَ المَسْحِ أُمُورٌ.

الأوَّلُ: تَشْرِيفًا لَها وإبانَةً لِعِزَّتِها لِكَوْنِها مِن أعْظَمِ الأعْوانِ في دَفْعِ العَدُوِّ.

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ أنْ يُظْهِرَ أنَّهُ في ضَبْطِ السِّياسَةِ والمُلْكِ يَتَّضِعُ إلى حَيْثُ يُباشِرُ أكْثَرَ الأُمُورِ بِنَفْسِهِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ أعْلَمَ بِأحْوالِ الخَيْلِ وأمْراضِها وعُيُوبِها، فَكانَ يَمْتَحِنُها ويَمْسَحُ سُوقَها وأعْناقَها حَتّى يَعْلَمَ هَلْ فِيها ما يَدُلُّ عَلى المَرَضِ، فَهَذا التَّفْسِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ لَفْظُ القُرْآنِ انْطِباقًا مُطابِقًا مُوافِقًا، ولا يَلْزَمُنا نِسْبَةُ شَيْءٍ مِن تِلْكَ المُنْكَراتِ والَمَحْذُوراتِ، وأقُولُ: أنا شَدِيدُ التَّعَجُّبِ مِنَ النّاسِ كَيْفَ قَبِلُوا هَذِهِ الوُجُوهَ السَّخِيفَةَ مَعَ أنَّ العَقْلَ والنَّقْلَ يَرُدُّها، ولَيْسَ لَهم في إثْباتِها شُبْهَةٌ فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ، فَإنْ قِيلَ: فالجُمْهُورُ فَسَّرُوا الآيَةَ بِذَلِكَ الوَجْهِ، فَما قَوْلُكَ فِيهِ ؟ فَنَقُولُ لَنا هَهُنا مَقامانِ:

المَقامُ الأوَّلُ: أنْ نَدَّعِيَ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ لا يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِن تِلْكَ الوُجُوهِ الَّتِي يُذْكُرُونَها، وقَدْ ظَهَرَ والحَمْدُ لِلَّهِ أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرْناهُ، وظُهُورُهُ لا يَرْتابُ العاقِلُ فِيهِ.

المَقامُ الثّانِي: أنْ يُقالَ هَبْ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ إلا أنَّهُ كَلامٌ ذَكَرَهُ النّاسُ، فَما قَوْلُكَ فِيهِ ؟ وجَوابُنا: أنَّ الدَّلالَةَ الكَثِيرَةَ قامَتْ عَلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ الحِكاياتِ، ورِوايَةُ الآحادِ لا تَصْلُحُ مُعارِضَةً لِلدَّلائِلِ القَوِيَّةِ، فَكَيْفَ الحِكاياتُ عَنْ أقْوامٍ لا يُبالى بِهِمْ ولا يُلْتَفَتُ إلى أقْوالِهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾﴿والشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾﴿وآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ شَرْحُ واقِعَةٍ ثانِيَةٍ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ﴾ ولِأهْلِ الحَشْوِ والرِّوايَةِ فِيهِ قَوْلٌ، ولِأهْلِ العِلْمِ والتَّحْقِيقِ قَوْلٌ آخَرُ، أمّا قَوْلُ أهْلِ الحَشْوِ فَذَكَرُوا فِيهِ حِكاياتٍ:

الرِّوايَةُ الأُولى: قالُوا إنْ سُلَيْمانَ بَلَغَهُ خَبَرُ مَدِينَةٍ في البَحْرِ فَخَرَجَ إلَيْها بِجُنُودِهِ تَحْمِلُهُ الرِّيحُ فَأخَذَها وقَتَلَ مَلِكَها، وأخَذَ بِنْتًا لَهُ اسْمُها جَرادَةُ مِن أحْسَنِ النّاسِ وجْهًا، فاصْطَفاها لِنَفَسِهِ، وأسْلَمَتْ فَأحَبَّها، وكانَتْ تَبْكِي أبَدًا عَلى أبِيها، فَأمَرَ سُلَيْمانَ الشَّيْطانَ فَمَثَّلَ لَها صُورَةَ أبِيها فَكَسَتْها مِثْلَ كُسْوَتِهِ، وكانَتْ تَذْهَبُ إلى تِلْكَ الصُّورَةِ بُكْرَةً وعَشِيًّا مَعَ جَوارِيها يَسْجُدْنَ لَها، فَأخْبَرَ آصَفُ سُلَيْمانَ بِذَلِكَ فَكَسَرَ الصُّورَةَ وعاقَبَ المَرْأةَ، ثُمَّ خَرَجَ وحْدَهُ إلى فَلاةٍ، وفَرَشَ الرَّمادَ فَجَلَسَ عَلَيْهِ تائِبًا إلى اللَّهِ تَعالى، وكانَتْ لَهُ أُمُّ ولَدٍ يُقالُ لَها أمِينَةُ إذا دَخَلَ لِلطَّهارَةِ أوْ لِإصابَةِ امْرَأةٍ وضَعَ خاتَمَهُ عِنْدَها، وكانَ مُلْكُهُ في خاتَمِهِ فَوَضَعَهُ عِنْدَها يَوْمًا، فَأتاها الشَّيْطانُ صاحِبُ البَحْرِ عَلى صُورَةِ سُلَيْمانَ. وقالَ: يا أمِينَةُ خاتَمِي فَتَخَتَّمَ بِهِ وجَلَسَ عَلى كُرْسِيِّ سُلَيْمانَ فَأتى عَلَيْهِ الطَّيْرُ والجِنُّ والإنْسُ، وتَغَيَّرَتْ هَيْئَةُ سُلَيْمانَ فَأتى أمِينَةَ لِطَلَبِ الخاتَمِ فَأنْكَرَتْهُ وطَرَدَتْهُ. فَعَرَفَ أنَّ الخَطِيئَةَ قَدْ أدْرَكَتْهُ فَكانَ يَدُورُ عَلى البُيُوتِ يَتَكَفَّفُ، وإذا قالَ: أنا سُلَيْمانُ حَثُوا عَلَيْهِ التُّرابَ وسَبُّوهُ، ثُمَّ أخَذَ يَخْدِمُ السَّمّاكِينَ يَنْقُلُ لَهُمُ السَّمَكَ فَيُعْطُونَهُ كُلَّ يَوْمٍ سَمَكَتَيْنِ فَمَكَثَ عَلى هَذِهِ الحالَةِ أرْبَعِينَ يَوْمًا عَدَدَ ما عُبِدَ الوَثَنُ في بَيْتِهِ، فَأنْكَرَ آصِفُ وعُظَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ حُكْمَ الشَّيْطانِ وسَألَ آصِفُ نِساءَ سُلَيْمانَ، فَقُلْنَ ما يَدَعُ امْرَأةً مِنّا في دَمِها ولا يَغْتَسِلُ مِن جَنابَةٍ، وقِيلَ بَلْ نَفَذَ حُكْمُهُ في كُلِّ شَيْءٍ إلّا فِيهِنَّ، ثُمَّ طارَ الشَّيْطانُ وقَذَفَ الخاتَمَ في البَحْرِ فابْتَلَعَتْهُ سَمَكَةٌ