< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


يَقُولُ إنَّهُ أرادَ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَقْرِيرِ نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ فَنَقُولُ: لِسائِلٍ أنْ يَسْألَ فَيَقُولَ إنَّهُ تَعالى حَكى في أوَّلِ السُّورَةِ عَنِ المُسْتَهْزِئِينَ مِنَ الكُفّارِ، أنَّهم بالَغُوا في إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ، وقالُوا: ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم ذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ الجَوابَ، بَلْ قالَ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِذِكْرِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ القَوْلَ بِالقِيامَةِ حَقٌّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أطْنَبَ في شَرْحِ قِصَّةِ داوُدَ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِمَسْألَةِ إثْباتِ حِكْمَةِ اللَّهِ بِقِصَّةِ داوُدَ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ إثْباتَ حِكْمَةِ اللَّهِ وفَرَّعَ عَلَيْهِ إثْباتَ أنَّ القَوْلَ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ حَقٌّ، ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّ القُرْآنَ كِتابٌ شَرِيفٌ فاضِلٌ كَثِيرُ النَّفْعِ والخَيْرِ، ولا تَعَلُّقَ لِهَذا الفَصْلِ بِالكَلِماتِ المُتَقَدِّمَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتْ هَذِهِ الفُصُولُ فُصُولًا مُتَبايِنَةً لا تَعَلُّقَ لِلْبَعْضِ مِنها بِالبَعْضِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ وصْفُ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ كِتابًا شَرِيفًا فاضِلًا ؟ هَذا تَمامُ السُّؤالِ.

والجَوابُ أنْ نَقُولَ: إنَّ العُقَلاءَ قالُوا مَنِ ابْتُلِيَ بِخَصْمٍ جاهِلٍ مُصِرٍّ مُتَعَصِّبٍ، ورَآهُ قَدْ خاضَ في ذَلِكَ التَّعَصُّبِ والإصْرارِ، وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَقْطَعَ الكَلامَ مَعَهُ في تِلْكَ المَسْألَةِ، لِأنَّهُ كُلَّما كانَ خَوْضُهُ في تَقْرِيرِهِ أكْثَرَ كانَتْ نَفْرَتُهُ عَنِ القَبُولِ أشَدَّ، فالطَّرِيقُ حِينَئِذٍ أنْ يَقْطَعَ الكَلامَ مَعَهُ في تِلْكَ المَسْألَةِ، وأنْ يَخُوضَ في كَلامٍ آخَرَ أجْنَبِيٍّ عَنِ المَسْألَةِ الأُولى بِالكُلِّيَّةِ، ويُطْنِبَ في ذَلِكَ الكَلامِ الأجْنَبِيِّ، بِحَيْثُ يَنْسى ذَلِكَ المُتَعَصِّبُ تِلْكَ المَسْألَةَ الأُولى، فَإذا اشْتَغَلَ خاطِرُهُ بِهَذا الكَلامِ الأجْنَبِيِّ ونَسِيَ المَسْألَةَ الأُولى، فَحِينَئِذٍ

صفحة ١٧٧

يُدْرِجُ في أثْناءِ الكَلامِ في هَذا الفَصْلِ الأجْنَبِيِّ مُقَدِّمَةً مُناسِبَةً لِذَلِكَ المَطْلُوبِ الأوَّلِ، فَإنَّ ذَلِكَ المُتَعَصِّبَ يُسَلِّمُ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ، فَإذا سَلَّمَها، فَحِينَئِذٍ يَتَمَسَّكُ بِها في إثْباتِ المَطْلُوبِ الأوَّلِ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ ذَلِكَ الخَصْمُ المُتَعَصِّبُ مُنْقَطِعًا مُفْحَمًا، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ الكُفّارَ بَلَغُوا في إنْكارِ الحَشْرِ والنَّشْرِ والقِيامَةِ إلى حَيْثُ قالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، اقْطَعِ الكَلامَ مَعَهم في هَذِهِ المَسْألَةِ، واشَرَعْ في كَلامٍ آخَرَ أجْنَبِيٍّ بِالكُلِّيَّةِ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ، وهي قِصَّةُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِهَذِهِ القِصَّةِ بِمَسْألَةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أطْنَبَ في شَرْحِ تِلْكَ القِصَّةِ، ثُمَّ قالَ في آخِرِ القِصَّةِ: ﴿ياداوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ وكُلُّ مَن سَمِعَ هَذا قالَ نِعْمَ ما فَعَلَ حَيْثُ أمَرَهُ بِالحُكْمِ بِالحَقِّ، ثُمَّ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: وأنا لا آمُرُكَ بِالحَقِّ فَقَطْ، بَلْ أنا مَعَ أنِّي رَبُّ العالَمِينَ لا أفْعَلُ إلّا بِالحَقِّ، ولا أقْضِي بِالباطِلِ، فَهَهُنا الخَصْمُ يَقُولُ نِعْمَ ما فَعَلَ حَيْثُ لَمْ يَقْضِ إلّا بِالحَقِّ، فَعِنْدَ هَذا يُقالُ لَمّا سَلَّمْتَ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ بِالحَقِّ لا بِالباطِلِ، لَزِمَكَ أنْ تُسَلِّمَ صِحَّةَ القَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ الكافِرُ راجِحًا عَلى المُسْلِمِ في إيصالِ الخَيْراتِ إلَيْهِ، وذَلِكَ ضِدُّ الحِكْمَةِ وعَيْنُ الباطِلِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ اللَّطِيفِ أوْرَدَ اللَّهُ تَعالى الإلْزامَ القاطِعَ عَلى مُنْكِرِي الحَشْرِ والنَّشْرِ إيرادًا لا يُمْكِنُهُمُ الخَلاصُ عَنْهُ، فَصارَ ذَلِكَ الخَصْمُ الَّذِي بَلَغَ في إنْكارِ المَعادِ إلى حَدِّ الِاسْتِهْزاءِ مُفْحَمًا مُلْزَمًا بِهَذا الطَّرِيقِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الدَّقِيقَةَ في الإلْزامِ في القُرْآنِ، لا جَرَمَ وصْفَ القُرْآنَ بِالكَمالِ والفَضْلِ، فَقالَ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾