< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah038
Saad (38)
The letter Saad, makkah, 88 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾[الأنْبِياءِ: ٢] وقَوْلُهُ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾[الشُّعَراءِ: ٥] .
والجَوابُ: أنّا نَصْرِفُ دَلِيلَكم إلى الحُرُوفِ والأصْواتِ وهي مُحْدَثَةٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فالمُرادُ مِنهُ الكُفّارُ مِن رُؤَساءِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ يَجُوزُ عَلى مِثْلِهِمُ الإجْماعُ عَلى الحَسَدِ والكِبْرِ عَنِ الِانْقِيادِ إلى الحَقِّ، والعِزَّةُ هَهُنا التَّعْظِيمُ وما يَعْتَقِدُهُ الإنْسانُ في نَفْسِهِ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي تَمْنَعُهُ مِن مُتابَعَةِ الغَيْرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾[البَقَرَةِ: ٢٠٦] والشِّقاقُ هو إظْهارُ المُخالَفَةِ عَلى جِهَةِ المُساواةِ لِلْمُخالَفِ، أوْ عَلى جِهَةِ الفَضِيلَةِ عَلَيْهِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّقِّ، كَأنَّهُ يَرْتَفِعُ عَنْ أنْ يَلْزَمَهُ الِانْقِيادُ لَهُ، بَلْ يَجْعَلُ نَفْسَهُ في شِقٍّ وخَصْمَهُ في شِقٍّ، فَيُرِيدُ أنْ يَكُونَ في شِقَّةِ نَفْسِهِ، ولا يُجْرى عَلَيْهِ حُكْمُ خَصْمِهِ، ومِثْلُهُ المُعاداةُ وهو أنْ يَكُونَ أحَدُهُما في عُدْوَةٍ والآخَرُ في عُدْوَةٍ، وهي جانِبُ الوادِي، وكَذَلِكَ المُحادَّةُ أنْ يَكُونَ هَذا في حَدٍّ غَيْرِ حَدِّ الآخَرِ، ويُقالُ انْحَرَفَ فُلانٌ عَنْ فُلانٍ، وجانَبَ فُلانٌ فُلانًا أيْ صارَ مِنهُ عَلى حَرْفٍ، وفي جانِبٍ غَيْرِ جانِبِهِ واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم بِالعِزَّةِ والشِّقاقِ خَوَّفَهم فَقالَ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ والمَعْنى أنَّهم نادَوْا عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ في الدُّنْيا ولَمْ يَذْكُرْ بِأيِّ شَيْءٍ نادَوْا، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: وهو الأظْهَرُ أنَّهم نادَوْا بِالِاسْتِغاثَةِ لِأنَّ نِداءَ مَن نَزَلَ بِهِ العَذابُ لَيْسَ إلّا بِالِاسْتِغاثَةِ.
الثّانِي: نادَوْا بِالإيمانِ والتَّوْبَةِ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ.
الثّالِثُ: نادَوْا أيْ رَفَعُوا أصْواتَهم، يُقالُ فُلانٌ أنْدى صَوْتًا مِن فُلانٍ أيْ أرْفَعُ صَوْتًا، ثُمَّ قالَ: ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ يَعْنِي ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الوَقْتُ وقْتَ فِرارٍ مِنَ العَذابِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا﴾[غافِرٍ: ٨٤] وقالَ: ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٤] والجُؤارُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّضَرُّعِ والِاسْتِغاثَةِ، وكَقَوْلِهِ: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾[يُونُسَ: ٩١] وقَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ يَكُ﴾
صفحة ١٥٤
﴿يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾[غافِرٍ: ٨٥] بَقِيَ هَهُنا أبْحاثٌ:البَحْثُ الأوَّلُ: في تَحْقِيقِ الكَلامِ في لَفْظِ ﴿ولاتَ﴾ زَعَمَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ أنَّ ”لاتَ“ هي لا المُشَبَّهَةُ بِلَيْسَ زِيدَتْ عَلَيْها تاءُ التَّأْنِيثِ كَما زِيدَتْ عَلى رُبَّ وثَمَّ لِلتَّأْكِيدِ، وبِسَبَبِ هَذِهِ الزِّيادَةِ حَدَثَتْ لَها أحْكامٌ جَدِيدَةٌ، مِنها أنَّها لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الأحْيانِ، ومِنها أنْ لا يَبْرُزَ إلّا أحَدُ جُزْأيْها، إمّا الِاسْمُ وإمّا الخَبَرُ، ويَمْتَنِعُ بُرُوزُهُما جَمِيعًا، وقالَ الأخْفَشُ: إنَّها لا النّافِيَةُ لِلْجِنْسِ زِيدَتْ عَلَيْها التّاءُ، وخُصَّتْ بِنَفْيِ الأحْيانِ و﴿حِينَ مَناصٍ﴾ مَنصُوبٌ بِها كَأنَّكَ قُلْتَ: ولاتَ حِينَ مَناصٍ لَهم، ويَرْتَفِعُ بِالِابْتِداءِ أيْ ولاتَ حِينَ مَناصٍ كائِنٌ لَهم.
البَحْثُ الثّانِي: الجُمْهُورُ يَقِفُونَ عَلى التّاءِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولاتَ﴾ والكِسائِيُّ يَقِفُ عَلَيْها بِالهاءِ كَما يَقِفُ عَلى الأسْماءِ المُؤَنَّثَةِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وأمّا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ: التّاءُ داخِلَةٌ عَلى الحِينِ فَلا وجْهَ لَهُ، واسْتِشْهادُهُ بِأنَّ التّاءَ مُلْتَزِقَةٌ بِحِينَ في مُصْحَفِ عُثْمانَ فَضَعِيفٌ، فَكَمْ وقَعَتْ في المُصْحَفِ أشْياءُ خارِجَةٌ عَنْ قِياسِ الخَطِّ.
البَحْثُ الثّالِثُ: المَناصُ المَنجا والغَوْثُ، يُقالُ ناصَهُ يَنُوصُهُ إذا أغاثَهُ، واسْتَناصَ طَلَبَ المَناصَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكم إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ كَوْنَهم في عِزَّةٍ وشِقاقٍ أرْدَفَهُ بِشَرْحِ كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ