< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


أنْكَرُوا ذَلِكَ، وقالُوا: لا تَجُوزُ الحَرَكَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ لِأنَّ الكَوْكَبَ لَهُ جِرْمٌ، فَإذا شَقَّ السَّماءَ وتَحَرَّكَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ دَوَرانِهِ يَنْشَقُّ ويَلْتَئِمُ كالماءِ تُحَرِّكُهُ السَّمَكَةُ أوْ لا يَنْشَقُّ ولا يَلْتَئِمُ، بَلْ هُناكَ خَلاءٌ يَدُورُ الكَوْكَبُ فِيهِ، لَكِنَّ الخَلاءَ مُحالٌ، والسَّماءُ لا تَقْبَلُ الشَّقَّ والِالتِئامَ، هَذا ما اعْتَمَدُوا عَلَيْهِ، ونَحْنُ نَقُولُ: كِلاهُما جائِزٌ.

أمّا الخَلاءُ لا يُحْتاجُ إلَيْهِ هَهُنا، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ بِشَقٍّ والتِئامٍ، وأمّا امْتِناعُ الشَّقِّ والِالتِئامِ فَلا دَلِيلَ لَهم عَلَيْهِ، وشُبْهَتُهم في المُحَدِّدِ لِلْجِهاتِ وهي هُناكَ ضَعِيفَةٌ، ثُمَّ إنَّهم قالُوا عَلى ما بَيَّنّا: تَخْرُجُ الحَرَكاتُ وبِهِ عَلِمْنا الكُسُوفاتِ، ولَوْ كانَ لَها حَرَكاتٌ مُخْتَلِفَةٌ لَما وجَبَ الكُسُوفُ في

صفحة ٦٨

الوَقْتِ الَّذِي يُحْكَمُ فِيهِ بِالكُسُوفِ والخُسُوفِ؛ وذَلِكَ لِأنّا نَقُولُ لِلشَّمْسِ فَلَكانِ أحَدُهُما مَرْكَزُهُ مَرْكَزُ العالَمِ، ثانِيهِما مَرْكَزُهُ فَوْقَ مَرْكَزِ العالَمِ وهو مِثْلُ بَياضِ البَيْضِ بَيْنَ صُفْرَتِهِ وبَيْنَ القَيْضِ والشَّمْسُ كُرَةٌ في الفَلَكِ الخارِجِ المَرْكَزِ تَدُورُ بِدَوَرانِهِ في السَّنَةِ دَوْرَةً، فَإذا جُعِلَتْ في الجانِبِ الأعْلى تَكُونُ بَعِيدَةً عَنِ الأرْضِ، فَيُقالُ: إنَّها في الأوْجِ، وإذا حَصَلَتْ في الجانِبِ الأسْفَلِ تَكُونُ قَرِيبَةً مِنَ الأرْضِ، فَتَكُونُ في الحَضِيضِ، وأمّا القَمَرُ فَلَهُ فَلَكٌ شامِلٌ لِجَمِيعِ أجْزائِهِ وأفْلاكِهِ، وفَلَكٌ آخَرُ هو بَعْضٌ مِنَ الفَلَكِ الأوَّلِ مُحِيطٌ بِهِ كالقِشْرَةِ الفَوْقانِيَّةِ مِنَ البَصَلَةِ، وفَلَكٌ ثالِثٌ في الفَلَكِ التَّحْتانِيِّ كَما كانَ في الفَلَكِ الخارِجِ المَرْكَزِ في فَلَكِ الشَّمْسِ، وفي الفَلَكِ الخارِجِ المَرْكَزِ كُرَةٌ مِثْلُ جِرْمِ الشَّمْسِ، وفي الكُرَةِ القَمَرُ مَرْكُوزٌ كَمِسْمارٍ في كُرَةٍ مُغْرَقٍ فِيها، ويُسَمّى الفَلَكُ الفَوْقانِيُّ الجَوْزَهْرَ والخارِجُ المَرْكَزِ الفَلَكَ الحامِلَ والفَلَكُ التَّحْتانِيُّ الَّذِي فِيهِ الفَلَكُ الحامِلُ الفَلَكَ المائِلَ، والكُرَةُ الَّتِي في الحامِلِ تُسَمّى فَلَكَ التَّدْوِيرِ، وكَذَلِكَ قالُوا في الكَواكِبِ الخَمْسَةِ الباقِيَةِ مِنَ السَّيّاراتِ غَيْرَ أنَّ الفَوْقانِيَّ الَّذِي سَمَّوْهُ الجَوْزَهْرَ لَمْ يُثْبِتُوهُ لَها فَأثْبَتُوا أرْبَعَةً وعِشْرِينَ فَلَكًا: الفَلَكَ الأعْلى وفَلَكَ البُرُوجِ، ولِزُحَلَ ثَلاثَةُ أفْلاكٍ، المُمَثِّلُ والحامِلُ وفَلَكُ التَّدْوِيرِ، ولِلْمُشْتَرِي ثَلاثَةٌ كَما لِزُحَلَ، ولِلْمِرِّيخِ كَذَلِكَ ثَلاثَةٌ، ولِلشَّمْسِ فَلَكانِ المُمَثِّلُ والخارِجُ والمَرْكَزُ، ولِلزُّهْرَةِ ثَلاثَةُ أفْلاكٍ كَما لِلْعُلْوِيّاتِ، ولِعُطارِدٍ أرْبَعَةُ أفْلاكٍ الثَّلاثَةُ الَّتِي ذَكَرْناها في العُلْوِيّاتِ، وفَلَكٌ آخَرُ يُسَمُّونَهُ المُدِيرَ، ولِلْقَمَرِ أرْبَعَةُ أفْلاكٍ والرّابِعُ يُسَمُّونَهُ فَلَكَ الجَوْزَهْرَ، والمُدِيرُ لَيْسَ كالجَوْزَهْرِ؛ لِأنَّ المُدِيرَ غَيْرُ مُحِيطٍ بِأفْلاكِ عُطارِدٍ وفَلَكَ الجَوْزَهْرِ مُحِيطٌ، ومِنهم مَن زادَ في الخَمْسَةِ في كُلِّ فَلَكٍ فَلَكَيْنِ آخَرَيْنِ وجَعَلَ تَدْوِيراتِها مُرَكَّبَةً مِن ثَلاثَةِ أفْلاكٍ، وقالُوا: إنَّ بِسَبَبِ هَذِهِ الأجْرامِ تَخْتَلِفُ حَرَكاتُ الكَواكِبِ، ويَكُونُ لَها عُرُوضٌ ورُجُوعٌ واسْتِقامَةٌ وبُطْءٌ وسُرْعَةٌ.

وهَذا كَلامُهم عَلى سَبِيلِ الِاقْتِناصِ والِاقْتِصارِ، ونَحْنُ نَقُولُ: لا يَبْعُدُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ خَلْقُ مِثْلِ ذَلِكَ، وأمّا عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ، فَلا نُسَلِّمُ ورُجُوعُها واسْتِقامَتُها بِإرادَةِ اللَّهِ، وكَذَلِكَ عَرْضُها وطُولُها وبُطْؤُها وسُرْعَتُها وقُرْبُها وبُعْدُها، هَذا تَمامُ الكَلامِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ المُنَجِّمُونَ: الكَواكِبُ أحْياءٌ بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ وذَلِكَ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى العاقِلِ، نَقُولُ: إنْ أرَدْتُمُ القَدْرَ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ التَّسْبِيحُ، فَنَقُولُ بِهِ لِأنَّهُ ما مِن شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأشْياءِ إلّا وهو يُسَبِّحُ بِحَمْدِ اللَّهِ، وإنْ أرَدْتُمْ شَيْئًا آخَرَ فَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ، والِاسْتِعْمالُ لا يَدُلُّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في حَقِّ الأصْنامِ: ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ (الصّافّاتِ: ٩٢) وقَوْلِهِ: ﴿ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ (الذّارِياتِ: ٢٣) .

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ولَها مُناسَبَةٌ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَّ بِإحْياءِ الأرْضِ وهي مَكانُ الحَيَواناتِ بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ، بَلْ جَعَلَ لِلْإنْسانِ طَرِيقًا يُتَّخَذُ مِنَ البَحْرِ