< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


لِكُلِّ أحَدٍ جِرْمُها ونُورُها مَعًا لِكَوْنِ السَّماءِ مُسْتَوِيَةً حِينَئِذٍ مَكْشُوفَةً كُلُّها لِكُلِّ أحَدٍ.

الرّابِعُ: القَمَرُ إذا انْكَسَفَ في ساعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ في جانِبِ الشَّرْقِ، ثُمَّ سُئِلَ أهْلُ الغَرْبِ عَنْ وقْتِ الكُسُوفِ أخْبَرُوا عَنِ الخُسُوفِ في ساعَةٍ أُخْرى قَبْلَ تِلْكَ السّاعَةِ الَّتِي رَأى أهْلُ المَشْرِقِ فِيها الخُسُوفَ، لَكِنَّ الخُسُوفَ في وقْتٍ واحِدٍ في جَمِيعِ نَواحِي العالَمِ، واللَّيْلُ مُخْتَلِفٌ، فَدَلَّ عَلى أنَّ اللَّيْلَ في جانِبِ المَشْرِقِ قَبْلَ اللَّيْلِ في جانِبِ المَغْرِبِ، فالشَّمْسُ غَرَبَتْ مِن عِنْدِ أهْلِ المَشْرِقِ وهي بَعْدُ في السَّماءِ ظاهِرَةٌ لِأهْلِ المَغْرِبِ، فَعُلِمَ اسْتِتارُها بِالأرْضِ ولَوْ كانَتْ مُسْتَوِيَةً لَما كانَ كَذَلِكَ.

الخامِسُ: لَوْ كانَتِ السَّماءُ مَبْسُوطَةً لَكانَ القَمَرُ عِنْدَما يَكُونُ فَوْقَ رُؤُوسِنا عَلى المُسامَتَةِ أقْرَبَ إلَيْنا، وعِنْدَما يَكُونُ عَلى الأُفُقِ أبْعَدَ مِنّا؛ لِأنَّ العُمُومَ أصْغَرُ مِنَ القُطْرِ والوَتَدِ، وكَذَلِكَ في الشَّمْسِ والكَواكِبِ كانَ يَجِبُ أنْ يُرى أكْبَرَ؛ لِأنَّ القَرِيبَ يُرى أكْبَرَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ.

فَإنْ قِيلَ:

صفحة ٦٧

جازَ أنْ يَكُونَ، وهو عَلى الأُفُقِ عَلى سَطْحِ السَّماءِ، وعِنْدَما يَكُونُ عَلى مُسامَتَةِ رُؤُوسِنا في بَحْرِ السَّماءِ غائِرًا فِيها؛ لِأنَّ الخَرْقَ جائِزٌ عَلى السَّماءِ، نَقُولُ: لا تَنازُعَ في جَوازِ الخَرْقِ، لَكِنَّ القَمَرَ حِينَئِذٍ تَكُونُ حَرَكَتُهُ في دائِرَةٍ لا عَلى خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ، وهو غَرَضُنا؛ ولِأنّا نَقُولُ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ القَمَرُ عِنْدَ أهْلِ المَشْرِقِ، وهو في مُنْتَصَفِ نَهارِهِمْ أكْبَرَ مِقْدارًا لِكَوْنِهِ قَرِيبًا مِن رُؤُوسِهِمْ ضَرُورَةَ فَرْضِهِ عَلى سَطْحِ السَّماءِ الأدْنى، وعِنْدَنا في بَحْرِ السَّماءِ، وبِالجُمْلَةِ الدَّلائِلُ كَثِيرَةٌ، والإكْثارُ مِنها يَلِيقُ بِكُتُبِ الهَيْئَةِ الَّتِي الغَرَضُ مِنها بَيانُ ذَلِكَ العِلْمِ، ولَيْسَ الغَرَضُ في التَّفْسِيرِ بَيانَ ذَلِكَ غَيْرَ أنَّ القَدْرَ الَّذِي أوْرَدْناهُ يَكْفِي في بَيانِ كَوْنِهِ فَلَكًا مُسْتَدِيرًا.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لِكُلِّ كَوْكَبٍ فَلَكًا، فَما قَوْلُكُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: أمّا السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ فَلِكُلِّ فَلَكٍ، وأمّا الكَواكِبُ الأُخَرُ فَقِيلَ لِلْكُلٍّ: فَلَكٌ واحِدٌ، ولْنَذْكُرْ كَلامًا مُخْتَصَرًا في هَذا البابِ مِنَ الهَيْئَةِ حَيْثُ وجَبَ الشُّرُوعُ بِسَبَبِ تَفْسِيرِ الفَلَكِ، فَنَقُولُ: قِيلَ: إنَّ لِلْقَمَرِ فَلَكًا؛ لِأنَّ حَرَكَتَهُ أسْرَعُ مِن حَرَكَةِ السِّتَّةِ الباقِيَةِ، وكَذَلِكَ لِكُلِّ كَوْكَبٍ فَلَكٌ لِاخْتِلافِ سَيْرِها بِالسُّرْعَةِ والبُطْءِ والمَمَرِّ، فَإنَّ بَعْضَها يَمُرُّ في دائِرَةٍ وبَعْضُها في دائِرَةٍ أُخْرى حَتّى في بَعْضِ الأوْقاتِ يَمُرُّ بَعْضُها بِبَعْضٍ ولا يَكْسِفُهُ وفي بَعْضِ الأوْقاتِ يَكْسِفُهُ، فَلِكُلِّ كَوْكَبٍ فَلَكٌ، ثُمَّ أهْلُ الهَيْئَةِ قالُوا: فَكُلُّ فَلَكٍ هو جِسْمُ كُرَةٍ، وذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ، بَلِ اللّازِمُ أنْ نَقُولَ: لِكُلِّ فَلَكٍ هو كُرَةٌ أوْ صَفْحَةٌ أوْ دائِرَةٌ يَفْعَلُها الكَوْكَبُ بِحَرَكَتِهِ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ الكَوْكَبَ في كُرَةٍ يَكُونُ وُجُودُهُ فِيها كَوُجُودِ مِسْمارٍ مُغْرَقٍ في ثِخْنِ كُرَةٍ مُجَوَّفَةٍ، ويُدِيرُ الكُرَةَ فَيَدُورُ الكَوْكَبُ بِدَوَرانِ الكُرَةِ، وعَلى مَذْهَبِ أرْبابِ الهَيْئَةِ حَرَكَةُ الكَواكِبِ السَّيّارَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ، وكَذَلِكَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ حَلْقَةً يُحِيطُ بِها أرْبَعُ سُطُوحٍ مُتَوازِيَةٍ بِها فَإنَّها أرْبَعُ دَوائِرَ مُتَوازِيَةٍ كَحَجَرِ الرَّحى إذا قَوَّرْناهُ وأخْرَجْنا مِن وسَطِهِ طاحُونَةً مِن طَواحِينِ اليَدِ، ويَبْقى مِنهُ حَلْقَةٌ يُحِيطُ بِها سُطُوحٌ ودَوائِرُ كَما ذَكَرْنا، وتَكُونُ الكَواكِبُ فِيهِ وهو فَلَكٌ، فَتَدُورُ تِلْكَ الحَلْقَةُ وتُدِيرُ الكَوْكَبَ، والحَرَكَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ وإنْ كانَتْ مَقْدُورَةً لَكِنْ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ، وكَذَلِكَ هو قادِرٌ عَلى أنْ يَجْعَلَ الكَواكِبَ بِحَيْثُ تَشُقُّ السَّماءَ، فَتَجْعَلُ دائِرَةً مُتَوَهَّمَةً، كَما لَوْ فَرَضْتَ سَمَكَةً في الماءِ عَلى وجْهَيْنِ تَنْزِلُ مِن جانِبٍ وتَصْعَدُ إلى مَوْضِعٍ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ عَلى اسْتِدارَةٍ، وهَذا هو المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾والظّاهِرُ أنَّ حَرَكَةَ الكَواكِبِ عَلى هَذا الوَجْهِ، وأرْبابُ الهَيْئَةِ