< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah036
Yaseen (36)
Yaseen, makkah, 83 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
هو أنَّ هَذا لَيْسَ مُجَرَّدَ الحَلِفِ، وإنَّما هو دَلِيلٌ خَرَجَ في صُورَةِ اليَمِينِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ مُعْجِزَةٌ ودَلِيلُ كَوْنِهِ مُرْسَلًا هو المُعْجِزَةُ والقُرْآنُ كَذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يُذْكَرْ في صُورَةِ الدَّلِيلِ ؟ وما الحِكْمَةُ في ذِكْرِ الدَّلِيلِ في صُورَةِ اليَمِينِ ؟ قُلْنا: الدَّلِيلُ أنَّ ذِكْرَهُ في صُورَةِ اليَمِينِ قَدْ لا يُقْبِلُ عَلَيْهِ سامِعٌ فَلا يَقْبَلُهُ فُؤادُهُ فَإذا ابْتُدِئَ بِهِ عَلى صُورَةِ اليَمِينِ، واليَمِينُ لا يَقَعُ لا سِيَّما مِنَ العَظِيمِ الأعْلى أمْرٌ عَظِيمٌ، والأمْرُ العَظِيمُ تَتَوَفَّرُ الدَّواعِي عَلى الإصْغاءِ إلَيْهِ، فَلِصُورَةِ اليَمِينِ تَشْرَئِبُّ إلَيْهِ الأجْسامُ، ولِكَوْنِهِ دَلِيلًا شافِيًا يَتَشَرَّبُهُ الفُؤادُ، فَيَقَعُ في السَّمْعِ ويَنْفَعُ في القَلْبِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُ القُرْآنِ حَكِيمًا عِنْدَهم لِكَوْنِ مُحَمَّدٍ رَسُولًا، فَلَهم أنْ يَقُولُوا: إنَّ هَذا لَيْسَ بِقَسَمٍ، نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزَةً بَيِّنٌ إنْ أنْكَرُوهُ، قِيلَ لَهم: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ.
والثّانِي: أنَّ العاقِلَ لا يَثِقُ بِيَمِينِ غَيْرِهِ إلّا إذا حَلَفَ بِما يُعْتَقَدُ عَظَمَتُهُ، فالكافِرُ إنْ حَلَفَ بِمُحَمَّدٍ لا نُصَدِّقُهُ كَما نُصَدِّقُهُ لَوْ حَلَفَ بِالصَّلِيبِ والصَّنَمِ، ولَوْ حَلَفَ بِدِينِنا الحَقِّ لا يُوثَقُ بِمِثْلِ ما يُوثَقُ بِهِ لَوْ حَلَفَ بِدِينِهِ الباطِلِ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحابَهُ يُعَظِّمُونَ القُرْآنَ، فَحَلِفُهُ بِهِ هو الَّذِي يُوجِبُ ثِقَتَهم بِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ؛ أيْ أنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، والمُسْتَقِيمُ أقْرَبُ الطُّرُقِ المُوَصِّلَةِ إلى المَقْصِدِ والدِّينِ، كَذَلِكَ فَإنَّهُ تَوَجَّهَ إلى اللَّهِ تَعالى وتَوَلّى عَنْ غَيْرِهِ، والمَقْصِدُ هو اللَّهُ، والمُتَوَجِّهُ إلى المَقْصِدِ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنَ المُوَلِّي عَنْهُ والمُتَحَرِّفِ مِنهُ، ولا يَذْهَبُ فَهْمُ أحَدٍ إلى أنَّ قَوْلَهُ: - إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ - مُمَيِّزٌ لَهُ عَنْ غَيْرِهِ، كَما يُقالُ: إنَّ مُحَمَّدًا مِنَ النّاسِ مُجْتَبًى؛ لِأنَّ جَمِيعَ المُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وإنَّما المَقْصُودُ بَيانُ كَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي يَكُونُ عَلَيْهِ المُرْسَلُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ يُعْلَمُ مِنهُ فَسادُ قَوْلِ المُباحِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: المُكَلَّفُ يَصِيرُ واصِلًا إلى الحَقِّ، فَلا يَبْقى عَلَيْهِ تَكْلِيفٌ وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ بَيَّنَ أنَّ المُرْسَلِينَ ما دامُوا في الدُّنْيا فَهم سالِكُونَ سائِحُونَ مُهْتَدُونَ مُنْتَهِجُونَ إلى السَّبِيلِ المُسْتَقِيمِ فَكَيْفَ ذَلِكَ الجاهِلُ العاجِزُ ؟
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ قُرِئَ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ القُرْآنِ، كَأنَّهُ قالَ: (والقُرْآنِ الحَكِيمِ، تَنْزِيلِ العَزِيزِ الرَّحِيمِ، إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ لِتُنْذِرَ) وقُرِئَ بِالنَّصْبِ، وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ فِعْلُهُ مَنوِيٌّ كَأنَّهُ قالَ: نُزِّلَ تَنْزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنْذِرَ ويَكُونُ تَقْدِيرُهُ: نَزَلَ القُرْآنُ أوِ الكِتابُ الحَكِيمُ.
والثّانِي: أنَّهُ مَفْعُولُ فِعْلٍ مَنوِيٍّ كَأنَّهُ قالَ: (والقُرْآنِ الحَكِيمِ أعْنِي تَنْزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ لِتُنْذِرَ)، وهَذا ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَنوِيٍّ، كَأنَّهُ قالَ: هَذا تَنْزِيلُ العَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنْذِرَ، ويَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وهو أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ (لِتُنْذِرَ)، كَأنَّهُ قالَ: تَنْزِيلُ العَزِيزِ لِلْإنْذارِ، وقَوْلُهُ: ﴿العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ المَلِكَ إذا أرْسَلَ رَسُولًا، فالمُرْسَلُ إلَيْهِمْ إمّا أنْ يُخالِفُوا المُرْسِلَ ويُهِينُوا المُرْسَلَ، وحِينَئِذٍ لا يَقْدِرُ المَلِكُ عَلى الِانْتِقامِ مِنهم إلّا إذا كانَ عَزِيزًا، أوْ يَخافُوا المُرْسِلَ ويُكْرِمُوا المُرْسَلَ وحِينَئِذٍ يَرْحَمُهُمُ المَلِكُ، أوْ نَقُولُ: المُرْسَلُ يَكُونُ مَعَهُ في رِسالَتِهِ مَنعٌ عَنْ أشْياءَ وإطْلاقٌ لِأشْياءَ، فالمَنعُ يُؤَكِّدُ العِزَّةَ والإطْلاقُ يَدُلُّ عَلى الرَّحْمَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهم فَهم غافِلُونَ﴾ .
قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾(القَصَصِ: ٤٦) وقِيلَ: المُرادُ الإثْباتُ،