< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


وقُدْرَةِ اللَّهِ وصِدْقِ الرَّسُولِ، وكَذَلِكَ في العِباداتِ الجارِحِيَّةِ ما عُلِمَ مَعْناهُ وما لَمْ يُعْلَمْ كَمَقادِيرِ النُّصُبِ وعَدَدِ الرَّكَعاتِ، وقَدْ ذَكَرْنا الحِكْمَةَ فِيهِ وهي أنَّ العَبْدَ إذا أتى بِما أُمِرَ بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَعْلَمَ ما فِيهِ مِنَ الفائِدَةِ لا يَكُونُ إلّا آتِيًا بِمَحْضِ العِبادَةِ بِخِلافِ ما لَوْ عَلِمَ الفائِدَةَ، فَرُبَّما يَأْتِي بِهِ لِلْفائِدَةِ، وإنْ لَمْ يُؤْمِن كَما لَوْ قالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: انْقُلْ هَذِهِ الحِجارَةَ مِن هَهُنا ولَمْ يُعْلِمْهُ بِما في النَّقْلِ فَنَقَلَها، ولَوْ قالَ: انْقُلْها فَإنَّ تَحْتَها كَنْزًا هو لَكَ يَنْقُلُها وإنْ لَمْ يُؤْمِن إذا عَلِمَ هَذا فَكَذَلِكَ في العِباداتِ اللِّسانِيَّةِ الذِّكْرِيَّةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ مِنها ما لا يُفْهَمُ مَعْناهُ حَتّى إذا تَكَلَّمَ بِهِ العَبْدُ عُلِمَ مِنهُ أنَّهُ لا يَقْصِدُ غَيْرَ الِانْقِيادِ لِأمْرِ المَعْبُودِ الآمِرِ النّاهِي، فَإذا قالَ:﴿حم﴾، ﴿يس﴾، ﴿الم﴾، ﴿طس﴾ عُلِمَ أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لِمَعْنًى يَفْهَمُهُ أوْ يُفَهَّمُهُ، فَهو يَتَلَفَّظُ بِهِ إقامَةً لِما أُمِرَ بِهِ.

البَحْثُ الثّانِي: قِيلَ في خُصُوصِ يس: إنَّهُ كَلامٌ هو نِداءٌ مَعْناهُ يا إنْسانُ، وتَقْرِيرُهُ هو أنَّ تَصْغِيرَ إنْسانٍ أُنَيْسِينٌ فَكَأنَّهُ حَذَفَ الصَّدْرَ مِنهُ، وأخَذَ العَجُزَ وقالَ: ﴿يس﴾ أيْ أُنَيْسِينُ، وعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ .

البَحْثُ الثّالِثُ: قُرِئَ يس إمّا بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو قَوْلُهُ هَذِهِ كَأنَّهُ قالَ: هَذِهِ يس، وإمّا بِالضَّمِّ عَلى نِداءِ المُفْرَدِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ كَحَيْثُ، وقُرِئَ يس إمّا بِالنَّصْبِ عَلى مَعْنى اتْلُ يس، وإمّا بِالفَتْحِ كَأيْنَ وكَيْفَ، وقُرِئَ يس بِالكَسْرِ كَجِيرٍ؛ لِإسْكانِ الياءِ وكَسْرَةِ ما قَبْلَها، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ بِالجَرِّ؛ لِأنَّ إضْمارَ الجارِّ غَيْرُ جائِزٍ، ولَيْسَ فِيهِ حَرْفُ قَسَمٍ ظاهِرٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ أيْ ذِي الحِكْمَةِ كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ أيْ ذاتِ رِضًا أوْ عَلى أنَّهُ ناطِقٌ بِالحِكْمَةِ، فَهو كالحَيِّ المُتَكَلِّمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ مُقْسَمٌ عَلَيْهِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الكُفّارُ أنْكَرُوا كَوْنَ مُحَمَّدٍ مُرْسَلًا، والمَطالِبُ تَثْبُتُ بِالدَّلِيلِ لا بِالقَسَمِ، فَما الحِكْمَةُ في الإقْسامِ ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: هو أنَّ العَرَبَ كانُوا يَتَوَقَّوْنَ الأيْمانَ الفاجِرَةَ، وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّ اليَمِينَ الفاجِرَةَ تُوجِبُ خَرابَ العالَمِ، وصَحَّحَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: «”اليَمِينُ الكاذِبَةُ تَدَعُ الدِّيارَ بَلاقِعَ“» ثُمَّ إنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ

صفحة ٣٧

النَّبِيَّ ﷺ يُصِيبُهُ مِن آلِهَتِهِمْ عَذابٌ، وهي الكَواكِبُ، فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْلِفُ بِأمْرِ اللَّهِ وإنْزالِ كَلامِهِ عَلَيْهِ وبِأشْياءَ مُخْتَلِفَةٍ، وما كانَ يُصِيبُهُ عَذابٌ بَلْ كانَ كُلَّ يَوْمٍ أرْفَعَ شَأْنًا وأمْنَعَ مَكانًا، فَكانَ ذَلِكَ يُوجِبُ اعْتِقادَ أنَّهُ لَيْسَ بِكاذِبٍ.

الثّانِي: هو أنَّ المُتَناظِرَيْنِ إذا وقَعَ بَيْنَهُما كَلامٌ، وغَلَبَ أحَدُهُما الآخَرَ بِتَمْشِيَةِ دَلِيلِهِ وأسْكَتَهُ، يَقُولُ المَطْلُوبُ: إنَّكَ قَرَّرْتَ هَذا بِقُوَّةِ جِدالِكَ وأنْتَ خَبِيرٌ في نَفْسِكَ بِضَعْفِ مَقالِكَ، وتَعْلَمُ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما تَقُولُ وإنْ أقَمْتَ عَلَيْهِ صُورَةَ دَلِيلٍ وعَجَزْتُ أنا عَنِ القَدْحِ فِيهِ وهَذا كَثِيرُ الوُقُوعِ بَيْنَ المُتَناظِرَيْنِ فَعِنْدَ هَذا لا يَجُوزُ أنْ يَأْتِيَ هو بِدَلِيلٍ آخَرَ، لِأنَّ السّاكِتَ المُنْقَطِعَ يَقُولُ في الدَّلِيلِ الآخَرِ ما قالَهُ في الأوَّلِ فَلا يَجِدُ أمْرًا إلّا اليَمِينَ فَيَقُولُ: واللَّهِ إنِّي لَسْتُ مُكابِرًا، وإنَّ الأمْرَ عَلى ما ذَكَرْتُ، ولَوْ عَلِمْتُ خِلافَهُ لَرَجَعْتُ إلَيْهِ، فَهَهُنا يَتَعَيَّنُ اليَمِينُ، فَكَذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ لَمّا أقامَ البَراهِينَ، وقالَتِ الكَفَرَةُ: ﴿ما هَذا إلّا رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكُمْ﴾ (سَبَأٍ: ٤٣) ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (سَبَأٍ: ٤٣) تَعَيَّنَ التَّمَسُّكُ بِالأيْمانِ لِعَدَمِ فائِدَةِ الدَّلِيلِ.

الثّالِثُ: