< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah036
Yaseen (36)
Yaseen, makkah, 83 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
تُدْرِكُهُ الشَّمْسُ، ولِلشَّمْسِ حَرَكَةٌ واحِدَةٌ بِها تَتَأخَّرُ عَنِ القَمَرِ ولا تُدْرِكُ القَمَرَ؛ لَبَقِيَ القَمَرُ والشَّمْسُ مُدَّةً مَدِيدَةً في مَكانٍ واحِدٍ، لِأنَّ حَرَكَةَ الشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ دَرَجَةٌ، فَخَلَقَ اللَّهُ تَعالى في جَمِيعِ الكَواكِبِ حَرَكَةً أُخْرى غَيْرَ حَرَكَةِ الشَّهْرِ والسَّنَةِ، وهي الدَّوْرَةُ اليَوْمِيَّةُ وبِهَذِهِ الدَّوْرَةِ لا يَسْبِقُ كَوْكَبٌ كَوْكَبًا أصْلًا، لِأنَّ كُلَّ كَوْكَبٍ مِنَ الكَواكِبِ إذا طَلَعَ غَرُبَ مُقابِلُهُ وكُلَّما تَقَدَّمَ كَوْكَبٌ إلى المَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ الكَوْكَبُ الآخَرُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا تَقَدَّمَ ذَلِكَ الكَوْكَبُ، فَبِهَذِهِ الحَرَكَةِ لا يَسْبِقُ الشَّمْسَ، فَتَبَيَّنَ أنَّ سُلْطانَ اللَّيْلِ لا يَسْبِقُ سُلْطانَ النَّهارِ، فالمُرادُ مِنَ اللَّيْلِ القَمَرُ ومِنَ النَّهارِ الشَّمْسُ، فَقَوْلُهُ:﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ إشارَةٌ إلى حَرَكَتِها البَطِيئَةِ الَّتِي تُتِمُّ الدَّوْرَةَ في سَنَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ إشارَةٌ إلى حَرَكَتِها اليَوْمِيَّةِ الَّتِي بِها تَعُودُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَشْرِقِ مَرَّةً أُخْرى في يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، وعَلى هَذا فَفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٦٥
المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في إطْلاقِ اللَّيْلِ وإرادَةِ سُلْطانِهِ وهو القَمَرُ، وماذا يَكُونُ لَوْ قالَ ولا القَمَرُ سابِقُ الشَّمْسِ ؟ نَقُولُ: لَوْ قالَ: ولا القَمَرُ سابِقُ الشَّمْسِ ما كانَ يُفْهَمُ أنَّ الإشارَةَ إلى الحَرَكَةِ اليَوْمِيَّةِ، فَكانَ يُتَوَهَّمُ التَّناقُضُ، فَإنَّ الشَّمْسَ إذا كانَتْ لا تُدْرِكُ القَمَرَ أسْرَعَ ظاهِرًا، وإذا قالَ: ولا القَمَرُ سابِقٌ يُظَنُّ أنَّ القَمَرَ لا يَسْبِقُ فَلَيْسَ بِأسْرَعَ، فَقالَ: اللَّيْلُ والنَّهارُ لِيُعْلَمَ أنَّ الإشارَةَ إلى الحَرَكَةِ الَّتِي بِها تَتِمُّ الدَّوْرَةُ في مُدَّةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، ويَكُونُ لِجَمِيعِ الكَواكِبِ أوْ عَلَيْها طُلُوعٌ وغُرُوبٌ في اللَّيْلِ والنَّهارِ.المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ﴾ بِصِيغَةِ الفِعْلِ، وقَوْلِهِ: ﴿ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ، ولَمْ يَقُلْ: ولا اللَّيْلُ يَسْبِقُ، ولا قالَ: مُدْرِكَةُ القَمَرِ ؟ نَقُولُ: الحَرَكَةُ الأوَّلِيَّةُ الَّتِي لِلشَّمْسِ، ولا يُدْرَكُ بِها القَمَرُ مُخْتَصَّةٌ بِالشَّمْسِ، فَجَعَلَها كالصّادِرَةِ مِنها، وذُكِرَ بِصِيغَةِ الفِعْلِ لِأنَّ صِيغَةَ الفِعْلِ لا تُطْلَقُ عَلى مَن لا يَصْدُرُ مِنهُ الفِعْلُ، فَلا يُقالُ: هو يَخِيطُ، ولا يَكُونُ يَصْدُرُ مِنهُ الخِياطَةُ.
والحَرَكَةُ الثّانِيَةُ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِكَوْكَبٍ مِنَ الكَواكِبِ، بَلِ الكُلُّ فِيها مُشْتَرِكَةٌ بِسَبَبِ حَرَكَةِ فَلَكٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ فَلَكًا لِكَوْكَبٍ مِنَ الكَواكِبِ، فالحَرَكَةُ لَيْسَتْ كالصّادِرَةِ مِنهُ، فَأطْلَقَ اسْمَ الفاعِلِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَلْزِمُ صُدُورَ الفِعْلِ، يُقالُ: فُلانٌ خَيّاطٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ خَيّاطًا، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ (الأعْرافِ: ٥٤) يَدُلُّ عَلى خِلافِ ما ذَكَرْتُمْ، لِأنَّ النَّهارَ إذا كانَ يَطْلُبُ اللَّيْلَ فاللَّيْلُ سابِقُهُ، وقُلْتُمْ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ مَعْناهُ ما ذَكَرْتُمْ فَيَكُونُ اللَّيْلُ سابِقًا ولا يَكُونُ سابِقًا.
نَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ المُرادَ بِاللَّيْلِ هَهُنا سُلْطانُ اللَّيْلِ وهو القَمَرُ، وهو لا يَسْبِقُ الشَّمْسَ بِالحَرَكَةِ اليَوْمِيَّةِ السَّرِيعَةِ، والمُرادُ مِنَ اللَّيْلِ هُناكَ نَفْسُ اللَّيْلِ وكُلُّ واحِدٍ لَمّا كانَ في عَقِيبِ الآخَرِ فَكَأنَّهُ طالِبُهُ، فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ ذَكَرَ هَهُنا ﴿سابِقُ النَّهارِ﴾ وقَدْ ذَكَرَ هُناكَ يَطْلُبُهُ، ولَمْ يَقُلْ: طالِبُهُ ؟ نَقُولُ: ذَلِكَ لِما بَيَّنّا مِن أنَّ المُرادَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ اللَّيْلِ كَوْكَبُ اللَّيْلِ، وهي في هَذِهِ الحَرَكَةِ كَأنَّها لا حَرَكَةَ لَها ولا تَسْبِقُ، ولا مِن شَأْنِها أنَّها سابِقَةٌ، والمُرادُ هُناكَ نَفْسُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وهُما زَمانانِ، والزَّمانُ لا قَرارَ لَهُ، فَهو يُطْلَبُ حَثِيثًا لِصُدُورِ التَّقَصِّي مِنهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ يُحَقِّقُ ما ذَكَرْنا أيْ لِلْكُلِّ طُلُوعٌ وغُرُوبٌ في يَوْمٍ ولَيْلَةٍ لا يَسْبِقُ بَعْضُها بَعْضًا، بِالنِّسْبَةِ إلى هَذِهِ الحَرَكَةِ، وكُلُّ حَرَكَةٍ في فَلَكٍ تَخُصُّهُ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: التَّنْوِينُ في قَوْلِهِ (وكَلٌّ)