< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah036
Yaseen (36)
Yaseen, makkah, 83 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
والعَلِيمُ كامِلُ العِلْمِ أيِ الَّذِي قَدَرَ عَلى إجْرائِها عَلى الوَجْهِ الأنْفَعِ، وعَلِمَ الأنْفَعَ فَأجْراها عَلى ذَلِكَ؛ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: هو أنَّ الشَّمْسَ في سِتَّةِ أشْهُرٍ كُلَّ يَوْمٍ تَمُرُّ عَلى مُسامَتَةِ شَيْءٍ لَمْ تَمُرَّ مِن أمْسِها عَلى تِلْكَ المُسامَتَةِ، ولَوْ قَدَّرَ اللَّهُ مُرُورَها عَلى مُسامَتَةٍ واحِدَةٍ لاحْتَرَقَتِ الأرْضُ الَّتِي هي مُسامِتَةٌ لِمَمَرِّها وبَقِيَ المَجْمُوعُ مُسْتَوْلِيًا عَلى الأماكِنِ الأُخَرِ، فَقَدَّرَ اللَّهُ لَها بُعْدًا لِتَجَمُّعِ الرُّطُوباتِ في باطِنِ الأرْضِ والأشْجارِ في زَمانِ الشِّتاءِ، ثُمَّ قَدَّرَ قُرْبَها بِتَدْرِيجٍ لِتَخْرُجَ النَّباتُ والثِّمارُ مِنَ الأرْضِ والشَّجَرِ وتَنْضُجُ وتُجَفَّفُ، ثُمَّ تَبْعُدُ لِئَلّا يَحْتَرِقَ وجْهُ الأرْضِ وأغْصانُ الأشْجارِ.
الثّانِي: هو أنَّ اللَّهَ قَدَّرَ لَها في كُلِّ يَوْمٍ طُلُوعًا، وفي كُلِّ لَيْلَةٍ غُرُوبًا؛ لِئَلّا تَكِلَّ القُوى والأبْصارُ بِالسَّهَرِ والتَّعَبِ ولا يَخْرُبُ العالَمُ بِتَرْكِ العِمارَةِ بِسَبَبِ الظُّلْمَةِ الدّائِمَةِ.
الثّالِثُ: جَعَلَ سَيْرَها أبْطَأ مِن سَيْرِ القَمَرِ وأسْرَعَ مِن سَيْرِ زُحَلَ؛ لِأنَّها كامِلَةُ النُّورِ فَلَوْ كانَتْ بَطِيئَةَ السَّيْرِ لَدامَتْ زَمانًا كَثِيرًا في مُسامَتَةِ شَيْءٍ واحِدٍ فَتَحْرِقُهُ، ولَوْ كانَتْ سَرِيعَةَ السَّيْرِ لَما حُصِرَ لَها لُبْثٌ بِقَدْرِ ما يُنْضِجُ الثِّمارَ في بُقْعَةٍ واحِدَةٍ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾
صفحة ٦٤
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ لَفْظٍ يَتِمُّ بِهِ مَعْنى الكَلامِ؛ لِأنَّ القَمَرَ لَمْ يَجْعَلْ نَفْسَهُ مَنازِلَ، فالمَعْنى: أنّا قَدَّرْنا سَيْرَهُ مَنازِلَ، وعَلى ما ذَكَرَهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنهُ: والقَمَرُ قَدَّرْناهُ ذا مَنازِلَ؛ لِأنَّ ذا الشَّيْءِ قَرِيبٌ مِنَ الشَّيْءِ؛ ولِهَذا جازَ قَوْلُ القائِلِ: عِيشَةٌ راضِيَةٌ؛ لِأنَّ ذا الشَّيْءِ كالقائِمِ بِهِ الشَّيْءُ، فَأتَوْا بِلَفْظِ الوَصْفِ.وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ أيْ رَجَعَ في الدِّقَّةِ إلى حالَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها مِن قَبْلُ، والعُرْجُونُ مِنَ الِانْعِراجِ يُقالُ لِعُودِ العَذْقِ: عُرْجُونٌ، والقَدِيمُ: المُتَقادِمُ الزَّمانِ، قِيلَ: إنَّ ما غَبَرَ عَلَيْهِ سَنَةٌ فَهو قَدِيمٌ، والصَّحِيحُ أنَّ هَذِهِ بِعَيْنِها لا تُشْتَرَطُ في جَوازِ إطْلاقِ القَدِيمِ عَلَيْهِ، وإنَّما تُعْتَبَرُ العادَةُ، حَتّى لا يُقالَ لِمَدِينَةٍ بُنِيَتْ مِن سَنَةٍ وسَنَتَيْنِ: إنَّها بِناءٌ قَدِيمٌ أوْ هي قَدِيمَةٌ، ويُقالُ لِبَعْضِ الأشْياءِ: إنَّهُ قَدِيمٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَنَةٌ، ولِهَذا جازَ أنْ يُقالَ: بَيْتٌ قَدِيمٌ وبِناءٌ قَدِيمٌ، ولَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ في العالَمِ: إنَّهُ قَدِيمٌ، لِأنَّ القِدَمَ في البَيْتِ والبِناءِ يَثْبُتُ بِحُكْمِ تَقادُمِ العَهْدِ ومُرُورِ السِّنِينَ عَلَيْهِ، وإطْلاقُ القَدِيمِ عَلى العالَمِ لا يُعْتادُ إلّا عِنْدَ مَن يَعْتَقِدُ أنَّهُ لا أوَّلَ لَهُ ولا سابِقَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾
إشارَةً إلى أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ خُلِقَ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ، فالشَّمْسُ لَمْ تَكُنْ تَصْلُحُ لَها سُرْعَةُ الحَرَكَةِ بِحَيْثُ تُدْرِكُ القَمَرَ، وإلّا لَكانَ في شَهْرٍ واحِدٍ صَيْفٌ وشِتاءٌ، فَلا تُدْرَكُ الثِّمارُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ قِيلَ في تَفْسِيرِهِ: إنَّ سُلْطانَ اللَّيْلِ وهو القَمَرُ لَيْسَ يَسْبِقُ الشَّمْسَ وهي سُلْطانُ النَّهارِ.
وقِيلَ: مَعْناهُ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارَ أيِ اللَّيْلُ لا يَدْخُلُ وقْتَ النَّهارِ.
والثّانِي بَعِيدٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقَعُ إيضاحًا لِلْواضِحِ، والأوَّلُ صَحِيحٌ إنْ أُرِيدَ بِهِ ما بَيَّنْتُهُ، وهو أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾أنَّ القَمَرَ إذا كانَ عَلى أُفُقِ المَشْرِقِ أيّامَ الِاسْتِقْبالِ تَكُونُ الشَّمْسُ في مُقابَلَتِهِ عَلى أُفُقِ المَغْرِبِ، ثُمَّ إنَّ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يَطْلُعُ القَمَرُ وعِنْدَ طُلُوعِها يَغْرُبُ القَمَرُ، كَأنَّ لَها حَرَكَةً واحِدَةً مَعَ أنَّ الشَّمْسَ تَتَأخَّرُ عَنِ القَمَرِ في لَيْلَةٍ مِقْدارًا ظاهِرًا في الحِسِّ، فَلَوْ كانَ لِلْقَمَرِ حَرَكَةٌ واحِدَةٌ بِها يَسْبِقُ الشَّمْسَ ولا