< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


ولا تُخْرِجُ الحَبَّ دُونَ ما تُنْبِتُهُ في الحَياةِ، فَكَأنَّهُ قالَ تَعالى: الَّذِي أحْيا الأرْضَ إحْياءً كامِلًا مُنْبِتًا لِلزَّرْعِ يُحْيِي المَوْتى إحْياءً كامِلًا بِحَيْثُ تُدْرِكُ الأُمُورَ، وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى التَّوْحِيدِ؛ فَلِأنَّ فِيهِ تَعْدِيدَ النِّعَمِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: آيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ فَإنَّها مَكانُهم ومَهْدُهُمُ الَّذِي فِيهِ تَحْرِيكُهم وإسْكانُهم، والأمْرُ الضَّرُورِيُّ الَّذِي عِنْدَهُ وُجُودُهم وإمْكانُهم، وسَواءٌ كانَتْ مَيْتَةً أوْ لَمْ تَكُنْ فَهي مَكانٌ لَهم لا بُدَّ لَهم مِنها نِعْمَةٌ ثُمَّ إحْياؤُها بِحَيْثُ تَخْضَرُّ نِعْمَةٌ ثانِيَةٌ، فَإنَّها تَصِيرُ أحْسَنَ وأنْزَهَ، ثُمَّ إخْراجُ الحَبِّ مِنها نِعْمَةٌ ثالِثَةٌ، فَإنَّ قُوتَهم يَصِيرُ في مَكانِهِمْ، وكانَ يُمْكِنُ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رِزْقَهم في السَّماءِ أوْ في الهَواءِ فَلا يَحْصُلُ لَهُمُ الوُثُوقُ، ثُمَّ جَعَلَ الجَنّاتِ فِيها نِعْمَةً رابِعَةً؛ لِأنَّ الأرْضَ تُنْبِتُ الحَبَّ في كُلِّ سَنَةٍ، وأمّا الأشْجارُ بِحَيْثُ تُؤْخَذُ مِنها الثِّمارُ فَتَكُونُ بَعْدَ الحَبِّ وُجُودًا، ثُمَّ فَجَّرْنا فِيها العُيُونَ لِيَحْصُلَ لَهُمُ الِاعْتِمادُ بِالحُصُولِ، ولَوْ كانَ ماؤُها مِنَ السَّماءِ لَحَصَلَ، ولَكِنْ لَمْ يَعْلَمْ أنَّها أيْنَ تُغْرَسُ وأيْنَ يَقَعُ المَطَرُ ويَنْزِلُ القَطْرُ بِالنِّسْبَةِ إلى بَيانِ إحْياءِ المَوْتى كُلُّ ذَلِكَ مُفِيدٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ:﴿وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا﴾ كالإشارَةِ إلى الأمْرِ الضَّرُورِيِّ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ﴾ كالأمْرِ المُحْتاجِ إلَيْهِ الَّذِي إنْ لَمْ يَكُنْ لا يُغْنِي الإنْسانَ، لَكِنَّهُ يَبْقى مُخْتَلَّ الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿وفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ﴾ إشارَةٌ إلى الزِّينَةِ الَّتِي إنْ لَمْ تَكُنْ لا تَعْنِي الإنْسانَ ولا يَبْقى في ورْطَةِ الحاجَةِ، لَكِنَّهُ لا يَكُونُ عَلى أحْسَنِ ما يَنْبَغِي، وكَأنَّ حالَ الإنْسانِ بِالحَبِّ كَحالِ الفَقِيرِ الَّذِي لَهُ ما يَسُدُّ خَلَّتَهُ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ولا يَدْفَعُ حاجَتَهُ مِن كُلِّ الوُجُوهِ وبِالثِّمارِ، ويُعْتَبَرُ حالُهُ كَحالِ المُكْتَفِي بِالعُيُونِ الجارِيَةِ الَّتِي يَعْتَمِدُ عَلَيْها الإنْسانُ ويُقَوِّي بِها قَلْبَهُ كالمُسْتَغْنِي الغَنِيِّ المُدَّخِرِ لِقُوتِ سِنِينَ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: كَما فَعَلْنا في مَواتِ الأرْضِ كَذَلِكَ نَفْعَلُ في الأمْواتِ في الأرْضِ فَنُحْيِيهِمْ ونُعْطِيهِمْ ما لا بُدَّ لَهم مِنهُ في بَقائِهِمْ وتَكْوِينِهِمْ مِنَ الأعْضاءِ المُحْتاجِ إلَيْها وقُواها كالعَيْنِ والقُوَّةِ الباصِرَةِ والأُذُنِ والقُوَّةِ السّامِعَةِ وغَيْرِهِما، ونَزِيدُ لَهُ ما هو زِينَةٌ كالعَقْلِ الكامِلِ والإدْراكِ الشّامِلِ، فَيَكُونُ كَأنَّهُ قالَ: نُحْيِي المَوْتى إحْياءً تامًّا كَما أحْيَيْنا الأرْضَ إحْياءً تامًّا.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ عَنْ ذِكْرِ الحَبِّ ﴿فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ وفي الأشْجارِ والثِّمارِ قالَ: ﴿لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الحَبَّ قُوتٌ لا بُدَّ مِنهُ، فَقالَ: ﴿فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ أيْ هم آكِلُوهُ، وأمّا الثِّمارُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنْ كُنّا ما أخْرَجْناها كانُوا يَبْقَوْنَ مِن غَيْرِ أكْلٍ فَأخْرَجْناها لِيَأْكُلُوها.

صفحة ٥٩

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: خَصَّصَ النَّخِيلَ والأعْنابَ بِالذِّكْرِ مِن سائِرِ الفَواكِهِ؛ لِأنَّ ألَذَّ المَطْعُومِ الحَلاوَةُ، وهي فِيها أتَمُّ، ولِأنَّ التَّمْرَ والعِنَبَ قُوتٌ وفاكِهَةٌ، ولا كَذَلِكَ غَيْرُهُما؛ ولِأنَّهُما أعَمُّ نَفْعًا فَإنَّها تُحْمَلُ مِنَ البِلادِ إلى الأماكِنِ البَعِيدَةِ، فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ الرُّمّانَ والزَّيْتُونَ في الأنْعامِ والقَضْبَ والزَّيْتُونَ والتِّينَ في مَواضِعَ، نَقُولُ: في الأنْعامِ وغَيْرِها المَقْصُودُ ذِكْرُ الفَواكِهِ والثِّمارِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ (فاطِرٍ: ٢٧) وإلى قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ (عَبَسَ: ٢٤) فاسْتَوْفى الأنْواعَ بِالذِّكْرِ، وهَهُنا المَقْصُودُ ذِكْرُ صِفاتِ الأرْضِ فاخْتارَ مِنها الألَذَّ الأنْفَعَ، وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ الأنْعامِ ما يُسْتَفادُ مِنهُ الفَوائِدُ، ويُعْلَمُ مِنهُ فائِدَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ (الرَّحْمَنِ: ٦٨) .

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: في المَواضِعِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ الفَواكِهَ لَمْ يَذْكُرِ التَّمْرَ بِلَفْظِ شَجَرَتِهِ، وهي النَّخْلَةُ، ولَمْ يَذْكُرِ العِنَبَ بِلَفْظِ شَجَرَتِهِ بَلْ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ العِنَبِ والأعْنابِ، ولَمْ يَذْكُرِ الكَرْمَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ