< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


بِالتَّخْفِيفِ في لَمّا.

وثانِيهِما: أنَّها نافِيَةٌ ولَمّا بِمَعْنى إلّا، قالَ سِيبَوَيْهِ: يُقالُ: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ لَمّا فَعَلْتَ، بِمَعْنى إلّا فَعَلْتَ، والقِراءَةُ حِينَئِذٍ بِالتَّشْدِيدِ في لَمّا، يُؤَيِّدُ هَذا ما رُوِيَ أنَّ أُبَيًّا قَرَأ (وما كَلٌّ إلّا جَمِيعٌ) وفي قَوْلِ سِيبَوَيْهِ: لَمّا بِمَعْنى إلّا وارِدُ مَعْنًى مُناسِبٍ، وهو أنَّ لَمّا كَأنَّها حَرْفا نَفْيٍ جُمِعا، وهُما لَمْ وما فَتَأكَّدَ النَّفْيُ، ولِهَذا يُقالُ في جَوابِ مَن قالَ: قَدْ فَعَلَ لَمّا يَفْعَلُ، وفي جَوابِ مَن قالَ فَعَلَ لَمْ يَفْعَلْ، وإلّا كَأنَّها حَرْفا نَفْيٍ إنْ ولا فاسْتُعْمِلَ أحَدُهُما مَكانَ الآخَرِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قالَ قائِلٌ: كُلٌّ وجَمِيعٌ بِمَعْنًى واحِدٍ، فَكَيْفَ جُعِلَ جَمِيعًا خَبَرًا لِكُلٍّ حَيْثُ دَخَلَتِ اللّامُ عَلَيْهِ، إذِ التَّقْدِيرُ: وإنْ كُلٌّ لَجَمِيعٌ ؟ نَقُولُ: مَعْنى جَمِيعٍ مَجْمُوعٌ، ومَعْنى كُلٍّ: كُلُّ فَرْدٍ حَيْثُ لا يَخْرُجُ عَنِ الحُكْمِ أحَدٌ، فَصارَ المَعْنى: كُلُّ فَرْدٍ مَجْمُوعٌ مَعَ الآخَرِ مَضْمُومٌ إلَيْهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: مُحْضَرُونَ، يَعْنِي عَمّا ذَكَرَهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ قالَ: وإنْ جَمِيعٌ لَجَمِيعٌ مُحْضَرُونَ، لَكانَ كَلامًا صَحِيحًا ولَمْ يُوجَدْ ما ذَكَرَهُ مِنَ الجَوابِ، بَلِ الصَّحِيحُ أنَّ (مُحْضَرُونَ) كالصِّفَةِ لِلْجَمِيعِ، فَكَأنَّهُ قالَ: جَمِيعٌ جَمِيعٌ مُحْضَرُونَ، كَما يُقالُ: الرَّجُلُ رَجُلٌ عالِمٌ، والنَّبِيُّ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، والواوُ في ﴿وإنْ كُلٌّ﴾ لِعَطْفِ الحِكايَةِ عَلى الحِكايَةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: بَيَّنْتُ لَكَ ما ذَكَرْتُ، وأُبَيِّنُ أنَّ كُلًّا لَدَيْنا مُحْضَرُونَ، وكَذَلِكَ الواوُ في قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾﴿وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ وفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ﴾﴿لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ أفَلا يَشْكُرُونَ﴾

كَأنَّهُ يَقُولُ: وأقُولُ أيْضًا: آيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ما وجْهُ تَعَلُّقِ هَذا بِما قَبْلَهُ ؟ نَقُولُ: مُناسِبٌ لِما قَبْلَهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ﴾ كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى الحَشْرِ، فَذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى إمْكانِهِ قَطْعًا لِإنْكارِهِمْ واسْتِبْعادِهِمْ وإصْرارِهِمْ وعِنادِهِمْ، فَقالَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ كَذَلِكَ نُحْيِي المَوْتى.

وثانِيهِما: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ حالَ المُرْسَلِينَ وإهْلاكَ المُكَذِّبِينَ وكانَ شَغْلُهُمُ التَّوْحِيدَ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وبَدَأ بِالأرْضِ لِكَوْنِها مَكانَهم لا مُفارَقَةَ لَهم مِنها عِنْدَ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأرْضُ آيَةٌ مُطْلَقًا، فَلِمَ خَصَّصَها بِهِمْ حَيْثُ قالَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ﴾ نَقُولُ: الآيَةُ تُعَدَّدُ وتُسْرَدُ لِمَن لَمْ يَعْرِفِ الشَّيْءَ بِأبْلَغِ الوُجُوهِ، وأمّا مَن عَرَفَ الشَّيْءَ بِطَرِيقِ الرُّؤْيَةِ لا يُذْكَرُ لَهُ دَلِيلٌ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ وعِبادَ اللَّهِ

صفحة ٥٨

المُخْلَصِينَ عَرَفُوا اللَّهَ قَبْلَ الأرْضِ والسَّماءِ، فَلَيْسَتِ الأرْضُ مُعَرَّفَةً لَهم، وهَذا كَما قالَ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ (فُصِّلَتْ: ٥٣) وقالَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فُصِّلَتْ: ٥٣) يَعْنِي أنْتَ كَفاكَ رَبُّكَ مُعَرِّفًا، بِهِ عَرَفْتَ كُلَّ شَيْءٍ فَهو شَهِيدٌ لَكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وأمّا هَؤُلاءِ تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ بِالآفاقِ والأنْفُسِ، وكَذَلِكَ هَهُنا آيَةٌ لَهم.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنْ قُلْنا: إنَّ الآيَةَ مَذْكُورَةٌ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى جَوازِ إحْياءِ المَوْتى، فَيَكْفِي قَوْلُهُ: ﴿أحْيَيْناها﴾ ولا حاجَةَ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ، وإنْ قُلْنا: إنَّها لِلِاسْتِدْلالِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ ووَحْدَتِهِ، فَلا فائِدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ لِأنَّ نَفْسَ الأرْضِ دَلِيلٌ ظاهِرٌ وبُرْهانٌ باهِرٌ، ثُمَّ هَبْ أنَّها غَيْرُ كافِيَةٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ كافٍ في التَّوْحِيدِ، فَما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا﴾فَلَهُ فائِدَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى بَيانِ إحْياءِ المَوْتى، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا أحْيا الأرْضَ وأخْرَجَ مِنها حَبًّا كانَ ذَلِكَ إحْياءً تامًّا؛ لِأنَّ الأرْضَ المُخْضَرَّةَ الَّتِي لا تُنْبِتُ الزَّرْعَ