< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah022
Al-Hajj (22)
The Pilgrimage, madinah, 78 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
[الحج: ٤] فَأُضِيفَتِ الدّارُ إلى مالِكِها وإلى غَيْرِ مالِكِها، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «مَن أغْلَقَ بابَهُ فَهو آمِنٌ» وقالَ ﷺ: «هَلْ تَرَكَ لَنا عَقِيلٌ مِن رَبْعٍ» وقَدِ اشْتَرى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دارَ السِّجْنِ، أتُرى أنَّهُ اشْتَراها مِن مالِكِها أوْ مِن غَيْرِ مالِكِها ؟ قالَ إسْحاقُ: فَلَمّا عَلِمْتُ أنَّ الحجة قَدْ لَزِمَتْنِي تَرَكْتُ قَوْلِي. أمّا الَّذِي قالُوهُ مِن حَمْلِ لَفْظِ المَسْجِدِ عَلى مَكَّةَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ العاكِفُ فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّ العاكِفَ قَدْ يُرادُ بِهِ المُلازِمُ لِلْمَسْجِدِ المُعْتَكِفُ فِيهِ عَلى الدَّوامِ، أوْ في الأكْثَرِ فَلا يَلْزَمُ ما ذَكَرُوهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالعاكِفِ المُجاوِرُ لِلْمَسْجِدِ المُتَمَكِّنُ في كُلِّ وقْتٍ مِنَ التَّعَبُّدِ فِيهِ فَلا وجْهَ لِصَرْفِ الكَلامِ عَنْ ظاهِرِهِ مَعَ هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:صفحة ٢٣
المسألة الأُولى: قُرِئَ ”يَرِدْ“ بِفَتْحِ الياءِ مِنَ الوُرُودِ، ومَعْناهُ مَن أتى فِيهِ بِإلْحادٍ، وعَنِ الحَسَنِ ومَن يُرِدْ إلْحادَهُ بِظُلْمٍ، والمَعْنى ومَن يُرِدْ إيقاعَ إلْحادٍ فِيهِ، فالإضافَةُ صَحِيحَةٌ عَلى الِاتِّساعِ في الظَّرْفِ كَمَكْرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، ومَعْناهُ ومَن يُرِدْ أنْ يُلْحِدَ فِيهِ ظالِمًا.المسألة الثّانِيَةُ: الإلْحادُ العُدُولُ عَنِ القَصْدِ وأصْلُهُ إلْحادُ الحافِرِ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ الإلْحادِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ الشِّرْكُ، يَعْنِي مَن لَجَأ إلى حَرَمِ اللَّهِ لِيُشْرِكَ بِهِ عَذَّبَهُ اللَّهُ تَعالى، وهو إحْدى الرِّواياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَوْلُ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ ومُقاتِلٍ.
وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ حَيْثُ اسْتَسْلَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ فارْتَدَّ مُشْرِكًا، وفي قَيْسِ بْنِ ضَبابَةَ. وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَطَلٍ حِينَ قَتَلَ الأنْصارِيَّ وهَرَبَ إلى مَكَّةَ كافِرًا، فَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِهِ يَوْمَ الفَتْحِ كافِرًا.
وثالِثُها: قَتْلُ ما نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِنَ الصَّيْدِ.
ورابِعُها: دُخُولُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرامٍ وارْتِكابُ ما لا يَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ.
وخامِسُها: أنَّهُ الِاحْتِكارُ، عَنْ مُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
وسادِسُها: المَنعُ مِن عِمارَتِهِ.
وسابِعُها: عَنْ عَطاءٍ: قَوْلُ الرَّجُلِ في المُبايَعَةِ: لا واللَّهِ وبَلى واللَّهِ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ لَهُ فُسْطاطانِ: أحَدُهُما في الحِلِّ والآخَرُ في الحَرَمِ، فَإذا أرادَ أنْ يُعاتِبَ أهْلَهُ عاتَبَهم في الحِلِّ، فَقِيلَ لَهُ، فَقالَ: كُنّا نُحَدِّثُ أنَّ مِنَ الإلْحادِ فِيهِ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: لا واللَّهِ وبَلى واللَّهِ. وثامِنُها: وهو قَوْلُ المُحَقِّقِينَ: أنَّ الإلْحادَ بِظُلْمٍ عامٌّ في كُلِّ المَعاصِي، لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ صَغُرَ أمْ كَبُرَ يَكُونُ هُناكَ أعْظَمُ مِنهُ في سائِرِ البِقاعِ، حَتّى قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ أنَّ رَجُلًا بِعَدَنَ هَمَّ بِأنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً عِنْدَ البَيْتِ أذاقَهُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا. وقالَ مُجاهِدٌ: تُضاعَفُ السَّيِّئاتُ فِيهِ كَما تُضاعَفُ الحَسَناتُ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُقالُ ذَلِكَ مَعَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ غَيْرُ لائِقٍ بِكُلِّ المَعاصِي ؟ قُلْنا: لا نُسَلِّمُ، فَإنَّ كُلَّ عَذابٍ يَكُونُ ألِيمًا، إلّا أنَّهُ تَخْتَلِفُ مَراتِبُهُ عَلى حَسَبِ اخْتِلافِ المَعْصِيَةِ.
المسألة الثّالِثَةُ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِإلْحادٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وهو الأوْلى وهو اخْتِيارُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ حالانِ مُتَرادِفانِ، ومَفْعُولُ يُرِدْ مَتْرُوكٌ لِيَتَناوَلَ كُلَّ مُتَناوَلٍ كَأنَّهُ قالَ: ومَن يُرِدْ فِيهِ مُرادًا ما عادِلًا عَنِ القَصْدِ ظالِمًا نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ، يَعْنِي أنَّ الواجِبَ عَلى مَن كانَ فِيهِ أنْ يَضْبِطَ نَفْسَهُ ويَسْلُكَ طَرِيقَ السَّدادِ والعَدْلِ في جَمِيعِ ما يَهُمُّ بِهِ ويَقْصِدُهُ. الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُهُ ومَن يُرِدْ فِيهِ إلْحادًا والباءُ مِن حُرُوفِ الزَّوائِدِ.
المسألة الرّابِعَةُ: