< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


ذَلِكَ. وفِيهِ إشْكالٌ وهو أنَّهُ كَيْفَ عَطَفَ المُسْتَقْبَلَ وهو قَوْلُهُ:﴿ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عَلى الماضِي وهو قَوْلُهُ: ﴿كَفَرُوا﴾ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ يُحْسِنُ إلى الفُقَراءِ ويُعِينُ الضُّعَفاءَ لا يُرادُ بِهِ حالٌ ولا اسْتِقْبالٌ وإنَّما يُرادُ اسْتِمْرارُ وُجُودِ الإحْسانِ مِنهُ في جَمِيعِ أزْمِنَتِهِ وأوْقاتِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن شَأْنِهِمُ الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾[الرعد: ٢٨] .

وثانِيهِما: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: التَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فِيما مَضى وهُمُ الآنَ يَصُدُّونَ ويَدْخُلُ فِيهِ أنَّهم يَفْعَلُونَ ذَلِكَ في الحالِ والمُسْتَقْبَلِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ يَعْنِي: ويَصُدُّوهم أيْضًا عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَزَلَتِ الآيَةُ في أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ وأصْحابِهِ حِينَ صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ عَنْ أنْ يَحُجُّوا ويَعْتَمِرُوا ويَنْحَرُوا الهَدْيَ، فَكَرِهَ

صفحة ٢٢

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِتالَهم وكانَ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ صالَحُوهُ عَلى أنْ يَعُودَ في العامِ القابِلِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ أيْ جَعَلْناهُ لِلنّاسِ مَنسَكًا ومُتَعَبَّدًا، وقَوْلُهُ: ﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي﴾ رُفِعَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّمٌ أيِ العاكِفُ والبادِ فِيهِ سَواءٌ، وتَقْدِيرُ الآيَةِ المَسْجِدُ الحَرامُ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ مَنسَكًا، فالعاكِفُ والبادِي فِيهِ سَواءٌ، وقَرَأ عاصِمٌ ويَعْقُوبُ: سَواءً بِالنَّصْبِ بِإيقاعِ الجَعْلِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الجَعْلَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المسألة الثّانِيَةُ: العاكِفُ المُقِيمُ بِهِ الحاضِرُ. والبادِي الطّارِئُ مِنَ البَدْوِ وهو النّازِعُ إلَيْهِ مِن عَرَبَتِهِ، وقالَ بَعْضُهم: يَدْخُلُ في العاكِفِ القَرِيبُ إذا جاوَرَ ولَزِمَهُ لِلتَّعَبُّدِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِهِ.

المسألة الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّهُما في أيِّ شَيْءٍ يَسْتَوِيانِ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في بَعْضِ الرِّواياتِ: إنَّهُما يَسْتَوِيانِ في سُكْنى مَكَّةَ والنُّزُولِ بِها، فَلَيْسَ أحَدُهُما أحَقَّ بِالمَنزِلِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ مِنَ الآخَرِ إلّا أنْ يَكُونَ واحِدٌ سَبَقَ إلى المَنزِلِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومِن مَذْهَبِ هَؤُلاءِ أنَّ كِراءَ دُورِ مَكَّةَ وبَيْعَها حَرامٌ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِالآيَةِ والخَبَرِ، أمّا الآيَةُ فَهي هَذِهِ، قالُوا: إنَّ أرْضَ مَكَّةَ لا تُمَلَّكُ فَإنَّها لَوْ مُلِّكَتْ لَمْ يَسْتَوِ العاكِفُ فِيها والبادِي، فَلَمّا اسْتَوَيا ثَبَتَ أنَّ سَبِيلَهُ سَبِيلُ المَساجِدِ، وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَكَّةُ مُباحٌ لِمَن سَبَقَ إلَيْها» وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ وإسْحَقَ الحَنْظَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وعَلى هَذا المُرادُ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ الحَرَمُ كُلُّهُ؛ لِأنَّ إطْلاقَ لَفْظِ المَسْجِدِ الحَرامِ والمُرادُ مِنهُ البَلَدُ جائِزٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾[الإسراء: ١] وهاهُنا قَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ وهو قَوْلُهُ: ﴿العاكِفُ﴾ لِأنَّ المُرادَ مِنهُ المُقِيمُ إقامَةً، وإقامَتُهُ لا تَكُونُ في المَسْجِدِ بَلْ في المَنازِلِ، فَيَجِبُ أنْ يُقالَ: ذَكَرَ المَسْجِدَ وأرادَ مَكَّةَ. القَوْلُ الثّانِي: المُرادُ جَعَلَ اللَّهُ النّاسَ في العِبادَةِ في المَسْجِدِ سَواءً لَيْسَ لِلْمُقِيمِ أنْ يَمْنَعَ البادِيَ وبِالعَكْسِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «يا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ مَن ولِيَ مِنكم مِن أُمُورِ النّاسِ شَيْئًا فَلا يَمْنَعَنَّ أحَدًا طافَ بِهَذا البَيْتِ أوْ صَلّى أيَّةَ ساعَةٍ مِن لَيْلٍ أوْ نَهارٍ»، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَوْلُ مَن أجازَ بَيْعَ دُورِ مَكَّةَ. وقَدْ جَرَتْ مُناظَرَةٌ بَيْنَ الشّافِعِيِّ وإسْحاقَ الحَنْظَلِيِّ بِمَكَّةَ، وكانَ إسْحاقُ لا يُرَخِّصُ في كِراءِ بُيُوتِ مَكَّةَ، واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾