< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


فَعَلَهُ، وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ مِن أهْلِ ما وراءَ النَّهْرِ فَقَدْ أثْبَتُوا الكَلامَ القَدِيمَ إلّا أنَّهم زَعَمُوا أنَّ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - صَوْتٌ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في الشَّجَرَةِ واحْتَجُّوا بِالآيَةِ عَلى أنَّ المَسْمُوعَ هو الصَّوْتُ المُحْدَثُ قالُوا: إنَّهُ تَعالى رَتَّبَ النِّداءَ عَلى أنَّهُ أتى النّارَ والمُرَتَّبُ عَلى المُحْدَثِ مُحْدَثٌ، فالنِّداءُ مُحْدَثٌ.

* * *

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَيْفَ عَرَفَ أنَّ المُنادِيَ هو اللَّهُ تَعالى فَقالَ أصْحابُنا: يَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يُعَرِّفَهُ بِالمُعْجِزَةِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: أمّا العِلْمُ الضَّرُورِيُّ فَغَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ حَصَلَ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِكَوْنِ هَذا النِّداءِ كَلامَ اللَّهِ تَعالى لَحَصَلَ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِوُجُودِ الصّانِعِ العالِمِ القادِرِ لِاسْتِحالَةِ أنْ تَكُونَ الصِّفَةُ مَعْلُومَةً بِالضَّرُورَةِ، والذّاتُ تَكُونُ مَعْلُومَةً بِالِاسْتِدْلالِ، ولَوْ كانَ وُجُودُ الصّانِعِ تَعالى مَعْلُومًا بِهِ بِالضَّرُورَةِ؛ لَخَرَجَ مُوسى عَنْ كَوْنِهِ مُكَلَّفًا؛ لِأنَّ حُصُولَ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ يُنافِي التَّكْلِيفَ، وبِالِاتِّفاقِ لَمْ يَخْرُجْ مُوسى عَنِ التَّكْلِيفِ فَعَلِمْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى عَرَّفَهُ ذَلِكَ بِالمُعْجِزِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ المُعْجِزِ عَلى وُجُوهٍ:

أوَّلُها: مِنهم مَن قالَ نَعْلَمُ قَطْعًا أنَّ اللَّهَ تَعالى عَرَّفَهُ ذَلِكَ بِواسِطَةِ المُعْجِزِ ولا حاجَةَ بِنا إلى أنْ نَعْرِفَ ذَلِكَ المُعْجِزَ ما هو.

وثانِيها: يُرْوى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا شاهَدَ النُّورَ السّاطِعَ مِنَ الشَّجَرَةِ إلى السَّماءِ وسَمِعَ تَسْبِيحَ المَلائِكَةِ وضَعَ يَدَيْهِ عَلى عَيْنَيْهِ فَنُودِيَ يا مُوسى. فَقالَ: لَبَّيْكَ إنِّي أسْمَعُ صَوْتَكَ ولا أراكَ فَأيْنَ أنْتَ ؟ قالَ: أنا مَعَكَ وأمامَكَ وخَلْفَكَ ومُحِيطٌ بِكَ وأقْرَبُ إلَيْكَ مِنكَ. إنَّ إبْلِيسَ أخْطَرَ بِبالِهِ هَذا الشَّكَّ وقالَ: ما يُدْرِيكَ أنَّكَ تَسْمَعُ كَلامَ اللَّهِ ؟ فَقالَ: لِأنِّي أسْمَعُهُ مِن فَوْقِي ومِن تَحْتِي ومِن خَلْفِي وعَنْ يَمِينِي وعَنْ شِمالِي كَما أسْمَعُهُ مِن قُدّامِي، فَعَلِمْتُ أنَّهُ لَيْسَ بِكَلامِ المَخْلُوقِينَ. ومَعْنى إطْلاقِهِ هَذِهِ الجِهاتِ أنِّي أسْمَعُهُ بِجَمِيعِ أجْزائِي وأبْعاضِي حَتّى كَأنَّ كُلَّ جارِحَةٍ مِنِّي صارَتْ أُذُنًا.

وثالِثُها: لَعَلَّهُ سَمِعَ النِّداءَ مِن جَمادٍ كالحَصى وغَيْرِها فَيَكُونَ ذَلِكَ مُعْجِزًا.

ورابِعُها: أنَّهُ رَأى النّارَ في الشَّجَرَةِ الخَضْراءِ بِحَيْثُ إنَّ تِلْكَ الخُضْرَةَ ما كانَتْ تُطْفِئُ تِلْكَ النّارَ وتِلْكَ النّارَ ما كانَتْ تَضُرُّ تِلْكَ الخُضْرَةَ، وهَذا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ.

المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالُوا: إنَّ تَكْرِيرَ الضَّمِيرِ في ”إنِّي أنا رَبُّكَ“ كانَ لِتَوْكِيدِ الدَّلالَةِ وإزالَةِ الشُّبْهَةِ.

المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ وُجُوهًا:

أحَدُها: كانَتا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ فَلِذَلِكَ أُمِرَ بِخَلْعِهِما صِيانَةً لِلْوادِي المُقَدَّسِ، ولِذَلِكَ قالَ عَقِيبَهُ: ”إنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى“ وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ

صفحة ١٦

وقَوْلُ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ والضَّحّاكِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: إنَّما أُمِرَ بِخَلْعِهِما لِيَنالَ قَدَمَيْهِ بَرَكَةُ الوادِي، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ.

وثالِثُها: أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى تَعْظِيمِ البُقْعَةِ مِن أنْ يَطَأها إلّا حافِيًا؛ لِيَكُونَ مُعَظِّمًا لَها وخاضِعًا عِنْدَ سَماعِ كَلامِ رَبِّهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ عَقِيبَهُ: ”إنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى“ وهَذا يُفِيدُ التَّعْلِيلَ فَكَأنَّهُ قالَ تَعالى: اخْلَعْ نَعْلَيْكَ؛ لِأنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى. وأمّا أهْلُ الإشارَةِ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيها وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّ النَّعْلَ في النَّوْمِ يُفَسَّرُ بِالزَّوْجَةِ والوَلَدِ فَقَوْلُهُ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ إشارَةٌ إلى أنْ لا يَلْتَفِتَ خاطِرُهُ إلى الزَّوْجَةِ والوَلَدِ، وأنْ لا يَبْقى مَشْغُولَ القَلْبِ بِأمْرِهِما.

وثانِيها: المُرادُ بِخَلْعِ النَّعْلَيْنِ تَرْكُ الِالتِفاتِ إلى الدُّنْيا والآخِرَةِ كَأنَّهُ أمَرَهُ بِأنْ يَصِيرَ مُسْتَغْرِقَ القَلْبِ بِالكُلِّيَّةِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا يَلْتَفِتَ بِخاطِرِهِ إلى ما سِوى اللَّهِ تَعالى، والمُرادُ