< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah020
Taa-Haa (20)
Taa-Haa, makkah, 135 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
الواحِدُ بِلَفْظِ الجَماعَةِ تَفْخِيمًا أيْ أقِيمُوا في مَكانِكم:﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ أيْ أبْصَرْتُ، والإيناسُ الإبْصارُ البَيِّنُ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ ومِنهُ إنْسانُ العَيْنِ فَإنَّهُ يَبِينُ بِهِ الشَّيْءُ، والإنْسُ لِظُهُورِهِمْ كَما قِيلَ الجِنُّ لِاسْتِتارِهِمْ، وقِيلَ هو أيْضًا ما يُؤْنَسُ بِهِ، ولَمّا وُجِدَ مِنهُ الإيناسُ وكانَ مُنْتَفِيًا حَقِيقَةً لَهم أتى بِكَلِمَةِ إنِّي لِتَوْطِينِ أنْفُسِهِمْ، ولَمّا كانَ الإيناسُ بِالقَبَسِ ووُجُودِ الهُدى مُتَرَقَّبَيْنِ مُتَوَقَّعَيْنِ بُنِيَ الأمْرُ فِيهِما عَلى الرَّجاءِ والطَّمَعِ فَقالَ: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ﴾ ولَمْ يَقْطَعْ فَيَقُولُ إنِّي آتِيكم لِئَلّا يَعِدَ ما لَمْ يَتَيَقَّنِ الوَفاءَ بِهِ. والنُّكْتَةُ فِيهِ أنَّ قَوْمًا قالُوا: كَذَبَ إبْراهِيمُ لِلْمَصْلَحَةِ وهو مُحالٌ؛ لِأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَبْلَ نُبُوَّتِهِ احْتَرَزَ عَنِ الكَذِبِ فَلَمْ يَقُلْ آتِيكم، ولَكِنْ قالَ لَعَلِّي آتِيكم ولَمْ يَقْطَعْ فَيَقُولَ إنِّي آتِيكم لِئَلّا يَعِدَ ما لَمْ يَتَيَقَّنِ الوَفاءَ بِهِ، والقَبَسُ النّارُ المُقْتَبَسَةُ في رَأْسِ عُودٍ أوْ فَتِيلَةٍ أوْ غَيْرِهِما: ﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ والهُدى ما يُهْتَدى بِهِ، وهو اسْمُ مَصْدَرٍ فَكَأنَّهُ قالَ أجِدُ عَلى النّارِ ما أهْتَدِي بِهِ مِن دَلِيلٍ أوْ عَلامَةٍ، ومَعْنى الِاسْتِعْلاءِ عَلى النّارِ أنَّ أهْلَ النّارِ يَسْتَعْلُونَ المَكانَ القَرِيبَ مِنها ولِأنَّ المُصْطَلِينَ بِها إذا أحاطُوا بِها كانُوا مُشْرِفِينَ عَلَيْها ﴿فَلَمّا أتاها﴾ أيْ أتى النّارَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَأى شَجَرَةً خَضْراءَ مِن أسْفَلِها إلى أعْلاها كَأنَّها نارٌ بَيْضاءُ فَوَقَفَ مُتَعَجِّبًا مِن شِدَّةِ ضَوْءِ تِلْكَ النّارِ وشِدَّةِ خُضْرَةِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ فَلا النّارُ تُغَيِّرُ خُضْرَتَها ولا كَثْرَةُ ماءِ الشَّجَرَةِ تُغَيِّرُ ضَوْءَ النّارِ، فَسَمِعَ تَسْبِيحَ المَلائِكَةِ ورَأى نُورًا عَظِيمًا، قالَ وهْبٌ: فَظَنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّها نارٌ أُوقِدَتْ فَأخَذَ مِن دِقاقِ الحَطَبِ لِيَقْتَبِسَ مِن لَهَبِها فَمالَتْ إلَيْهِ كَأنَّها تُرِيدُهُ فَتَأخَّرَ عَنْها وهابَها ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تُطْمِعُهُ ويَطْمَعُ فِيها، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ أسْرَعَ مِن خُمُودِها فَكَأنَّها لَمْ تَكُنْ، ثُمَّ رَمى مُوسى بِنَظَرِهِ إلى فَرْعِها فَإذا خُضْرَتُهُ ساطِعَةٌ في السَّماءِ. وإذا نُورٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لَهُ شُعاعٌ تَكِلُّ عَنْهُ الأبْصارُ فَلَمّا رَأى مُوسى ذَلِكَ وضَعَ يَدَهُ عَلى عَيْنَيْهِ فَنُودِيَ يا مُوسى، قالَ القاضِي الَّذِي يُرْوى مِن أنَّ الزَّنْدَ ما كانَ يُورى فَهَذا جائِزٌ وأمّا الَّذِي يُرْوى مِن أنَّ النّارَ كانَتْ تَتَأخَّرُ عَنْهُ فَإنْ كانَتِ النُّبُوَّةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ لَهُ جازَ ذَلِكَ وإلّا فَهو مُمْتَنِعٌ إلّا أنْ يَكُونَ مُعْجِزَةً لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾[طه: ١٣] دَلالَةٌ عَلى أنَّ في هَذِهِ الحالَةِ
صفحة ١٥
أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ وجَعَلَهُ نَبِيًّا، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَبْعُدُ ما ذَكَرُوهُ مِن تَأخُّرِ النّارِ عَنْهُ، وبَيَّنَ فَسادَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ يامُوسى﴾ وإنْ كانَتْ تَتَأخَّرُ عَنْهُ حالًا بَعْدَ حالٍ لَما صَحَّ ذَلِكَ ولَما بَقِيَ لِفاءِ التَّعْقِيبِ فائِدَةٌ. قُلْنا: القاضِي إنَّما بَنى هَذا الِاعْتِراضَ عَلى مَذْهَبِهِ في أنَّ الإرْهاصَ غَيْرُ جائِزٍ، وذَلِكَ عِنْدَنا باطِلٌ فَبَطَلَ قَوْلُهُ وأمّا التَّمَسُّكُ بِفاءِ التَّعْقِيبِ فَقَرِيبٌ؛ لِأنَّ تَخَلُّلَ الزَّمانِ القَلِيلِ فِيما بَيْنَ المَجِيءِ والنِّداءِ لا يَقْدَحُ في فاءِ التَّعْقِيبِ.المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ ”أنِّي“ بِالفَتْحِ أيْ نُودِيَ بِأنِّي أنا رَبُّكَ والباقُونَ بِالكَسْرِ أيْ نُودِيَ فَقِيلَ: يا مُوسى أوْ لِأنَّ النِّداءَ ضَرْبٌ مِنَ القَوْلِ فَعُومِلَ مُعامَلَتَهُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الأشْعَرِيُّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أسْمَعَهُ الكَلامَ القَدِيمَ الَّذِي لَيْسَ بِحَرْفٍ ولا صَوْتٍ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم أنْكَرُوا وُجُودَ ذَلِكَ الكَلامِ فَقالُوا: إنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ ذَلِكَ النِّداءَ في جِسْمٍ مِنَ الأجْسامِ كالشَّجَرَةِ أوْ غَيْرِها؛ لِأنَّ النِّداءَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى واللَّهُ قادِرٌ عَلَيْهِ ومَتى شاءَ