< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah020
Taa-Haa (20)
Taa-Haa, makkah, 135 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
مِنَ الوادِي المُقَدَّسِ قُدْسُ جَلالِ اللَّهِ تَعالى وطَهارَةُ عِزَّتِهِ يَعْنِي أنَّكَ لَمّا وصَلْتَ إلى بَحْرِ المَعْرِفَةِ فَلا تَلْتَفِتْ إلى المَخْلُوقاتِ.
وثالِثُها: أنَّ الإنْسانَ حالَ الِاسْتِدْلالِ عَلى الصّانِعِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَوَصَّلَ إلَيْهِ إلّا بِمُقَدِّمَتَيْنِ مِثْلَ أنْ يَقُولَ العالَمُ المَحْسُوسُ مُحْدَثٌ أوْ مُمْكِنٌ وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ مُدَبِّرٌ ومُؤَثِّرٌ وصانِعٌ، وهاتانِ المُقَدِّمَتانِ تُشْبِهانِ النَّعْلَيْنِ؛ لِأنَّ بِهِما يَتَوَصَّلُ العَقْلُ إلى المَقْصُودِ ويَتَنَقَّلُ مِنَ النَّظَرِ في الخَلْقِ إلى مَعْرِفَةِ الخالِقِ ثُمَّ بَعْدَ الوُصُولِ إلى مَعْرِفَةِ الخالِقِ وجَبَ أنْ لا يَبْقى مُلْتَفِتًا إلى تَيْنِكَ المُقَدِّمَتَيْنِ؛ لِأنَّ بِقَدْرِ الِاشْتِغالِ بِالغَيْرِ يَبْقى مَحْرُومًا عَنِ الِاسْتِغْراقِ فِيهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ لا تَكُنْ مُشْتَغِلَ القَلْبِ والخاطِرِ بِتَيْنِكَ المُقَدِّمَتَيْنِ فَإنَّكَ وصَلْتَ إلى الوادِي المُقَدَّسِ الَّذِي هو بَحْرُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ولُجَّةُ أُلُوهِيَّتِهِ.
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ عَلى أنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ بِقَدِيمٍ إذْ لَوْ كانَ قَدِيمًا لَكانَ اللَّهُ قائِلًا قَبْلَ وُجُودِ مُوسى اخْلَعْ نَعْلَيْكَ يا مُوسى، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ سَفَهٌ فَإنَّ الرَّجُلَ في الدّارِ الخالِيَةِ إذا قالَ: يا زَيْدُ افْعَلْ ويا عَمْرُو لا تَفْعَلْ مَعَ أنَّ زَيْدًا وعَمْرًا لا يَكُونانِ حاضِرَيْنِ يُعَدُّ ذَلِكَ جُنُونًا وسَفَهًا فَكَيْفَ يَلِيقُ ذَلِكَ بِالإلَهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأجابَ أصْحابُنا عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ كَلامَهُ تَعالى وإنْ كانَ قَدِيمًا إلّا أنَّهُ في الأزَلِ لَمْ يَكُنْ أمْرًا ولا نَهْيًا.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ أمْرًا بِمَعْنى أنَّهُ وُجِدَ في الأزَلِ شَيْءٌ لَمّا اسْتَمَرَّ إلى ما لا يَزالُ صارَ الشَّخْصُ بِهِ مَأْمُورًا مِن غَيْرِ وُقُوعِ التَّغَيُّرِ في ذَلِكَ الشَّيْءِ كَما أنَّ القُدْرَةَ تَقْتَضِي صِحَّةَ الفِعْلِ، ثُمَّ إنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً في الأزَلِ مِن غَيْرِ هَذِهِ الصِّحَّةِ، فَلَمّا اسْتَمَرَّتْ إلى ما لا يَزالُ حَصَلَتِ الصِّحَّةُ كَذا هَهُنا، وهَذا الكَلامُ فِيهِ غُمُوضٌ وبَحْثٌ دَقِيقٌ.
المَسْألَةُ العاشِرَةُ: لَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى كَراهَةِ الصَّلاةِ والطَّوافِ في النَّعْلِ والصَّحِيحُ عَدَمُ الكَراهَةِ؛ وذَلِكَ لِأنّا إنَّ عَلَّلْنا الأمْرَ بِخَلْعِ النَّعْلَيْنِ بِتَعْظِيمِ الوادِي وتَعْظِيمِ كَلامِ اللَّهِ كانَ الأمْرُ مَقْصُورًا عَلى تِلْكَ الصُّورَةِ، وإنْ عَلَّلْناهُ بِأنَّ النَّعْلَيْنِ كانا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ قَدْ كانَ مَحْظُورًا لُبْسُ جِلْدِ الحِمارِ المَيِّتِ، وإنْ كانَ مَدْبُوغًا فَإنْ كانَ كَذَلِكَ فَهو مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«أيُّما إهابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» “ وقَدْ «صَلّى النَّبِيُّ ﷺ في نَعْلَيْهِ ثُمَّ خَلَعَهُما في الصَّلاةِ فَخَلَعَ النّاسُ نِعالَهم فَلَمّا سَلَّمَ قالَ: ”ما لَكم خَلَعْتُمْ نِعالَكم“ قالُوا: خَلَعْتَ فَخَلَعْنا قالَ: ”فَإنَّ جِبْرِيلَ أخْبَرَنِي أنَّ فِيهِما قَذَرًا“» فَلَمْ يَكْرَهِ النَّبِيُّ ﷺ الصَّلاةَ في النَّعْلِ وأنْكَرَ عَلى الخالِعِينَ خَلْعَهُما وأخْبَرَهم بِأنَّهُ إنَّما خَلَعَهُما لِما فِيهِما مِنَ القَذَرِ.
المَسْألَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قُرِئَ طُوًى بِالضَّمِّ والكَسْرِ مُنْصَرِفًا وغَيْرَ مُنْصَرِفٍ فَمَن نَوَّنَهُ فَهو اسْمُ الوادِي، ومَن لَمْ يُنَوِّنْهُ تَرَكَ صَرْفَهُ؛ لِأنَّهُ مَعْدُولٌ عَنْ طاوِيٍ فَهو مِثْلُ عُمَرَ المَعْدُولِ عَنْ عامِرٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ.
صفحة ١٧
المَسْألَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: في طُوًى وُجُوهٌ:الأوَّلُ: أنَّهُ اسْمٌ لِلْوادِي وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ وابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: مَعْناهُ مَرَّتَيْنِ نَحْوَ مَثْنى أيْ قُدِّسَ الوادِي مَرَّتَيْنِ أوْ نُودِيَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - نِداءَيْنِ يُقالُ نادَيْتُهُ طُوًى أيْ مَثْنى.
والثّالِثُ: طُوًى أيْ طَيًّا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - إنَّهُ مَرَّ بِذَلِكَ الوادِي لَيْلًا فَطَواهُ فَكانَ المَعْنى بِالوادِي المُقَدَّسِ الَّذِي طَوَيْتَهُ طَيًّا أيْ قَطَعْتَهُ حَتّى ارْتَفَعْتَ إلى أعْلاهُ ومَن ذَهَبَ إلى هَذا قالَ طُوًى مَصْدَرٌ خَرَجَ عَنْ لَفْظِهِ كَأنَّهُ قالَ: طَوَيْتَهُ طُوًى كَما يُقالُ هَدى