< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


إنّا نُشاهِدُ أنَّ طُلُوعَ القُرْصِ يَحْصُلُ في زَمانٍ لَطِيفٍ سَرِيعٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ بُلُوغَ الحَرَكَةِ في السُّرْعَةِ إلى الحَدِّ المَذْكُورِ أمْرٌ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ.

الوجه الثّالِثُ: أنَّهُ كَما يُسْتَبْعَدُ في العَقْلِ صُعُودُ الجِسْمِ الكَثِيفِ مِن مَرْكَزِ العالَمِ إلى ما فَوْقَ العَرْشِ، فَكَذَلِكَ يُسْتَبْعَدُ نُزُولُ الجِسْمِ اللَّطِيفِ الرُّوحانِيِّ مِن فَوْقِ العَرْشِ إلى مَرْكَزِ العالَمِ، فَإنْ كانَ القَوْلُ بِمِعْراجِ مُحَمَّدٍ ﷺ في اللَّيْلَةِ الواحِدَةِ مُمْتَنِعًا في العُقُولِ، كانَ القَوْلُ بِنُزُولِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ العَرْشِ إلى مَكَّةَ في اللَّحْظَةِ الواحِدَةِ مُمْتَنِعًا، ولَوْ حَكَمْنا بِهَذا الِامْتِناعِ كانَ ذَلِكَ طَعْنًا في نُبُوَّةِ جَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والقَوْلُ بِثُبُوتِ المِعْراجِ فَرْعٌ عَلى تَسْلِيمِ جَوازِ أصْلِ النُّبُوَّةِ، فَثَبَتَ أنَّ القائِلِينَ بِامْتِناعِ حُصُولِ حَرَكَةٍ سَرِيعَةٍ إلى هَذا الحَدِّ، يَلْزَمُهُمُ القَوْلُ بِامْتِناعِ نُزُولِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في اللَّحْظَةِ مِنَ العَرْشِ إلى مَكَّةَ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ باطِلًا كانَ ما ذَكَرُوهُ أيْضًا باطِلًا.

فَإنْ قالُوا: نَحْنُ لا نَقُولُ إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جِسْمٌ يَنْتَقِلُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، وإنَّما نَقُولُ: المُرادُ مِن نُزُولِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو زَوالُ الحُجُبِ الجُسْمانِيَّةِ عَنْ رُوحِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى يَظْهَرَ في رُوحِهِ مِنَ المُكاشَفاتِ والمُشاهَداتِ بَعْضُ ما كانَ حاضِرًا مُتَجَلِّيًا في ذاتِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

قُلْنا: تَفْسِيرُ الوَحْيِ بِهَذا الوجه هو قَوْلُ الحُكَماءِ، فَأمّا جُمْهُورُ المُسْلِمِينَ فَهم مُقِرُّونَ بِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ

صفحة ١١٩

الصَّلاةُ والسَّلامُ جِسْمٌ، وأنَّ نُزُولَهُ عِبارَةٌ عَنِ انْتِقالِهِ مِن عالَمِ الأفْلاكِ إلى مَكَّةَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الإلْزامُ المَذْكُورُ قَوِيًّا، «رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ المِعْراجِ كَذَّبَهُ الكُلُّ، وذَهَبُوا إلى أبِي بَكْرٍ وقالُوا لَهُ: إنَّ صاحِبَكَ يَقُولُ كَذا وكَذا، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: إنْ كانَ قَدْ قالَ ذَلِكَ فَهو صادِقٌ، ثُمَّ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ الرَّسُولُ لَهُ تِلْكَ التَّفاصِيلَ، فَكُلَّما ذَكَرَ شَيْئًا، قالَ أبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ. فَلَمّا تَمَّمَ الكَلامَ قالَ أبُو بَكْرٍ: أشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، فَقالَ لَهُ الرَّسُولُ: وأنا أشْهَدُ أنَّكَ الصَّدِّيقُ حَقًّا»، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ أبا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَأنَّهُ قالَ: لَمّا سَلَّمْتُ رِسالَتَهُ فَقَدْ صَدَّقْتُهُ فِيما هو أعْظَمُ مِن هَذا، فَكَيْفَ أُكَذِّبُهُ في هَذا ؟

الوجه الرّابِعُ: أنَّ أكْثَرَ أرْبابِ المِلَلِ والنِّحَلِ يُسَلِّمُونَ وُجُودَ إبْلِيسَ، ويُسَلِّمُونَ أنَّهُ هو الَّذِي يَتَوَلّى إلْقاءَ الوَسْوَسَةِ في قُلُوبِ بَنِي آدَمَ، ويُسَلِّمُونَ أنَّهُ يُمْكِنُهُ الِانْتِقالُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ لِأجْلِ إلْقاءِ الوَساوِسِ في قُلُوبِ بَنِي آدَمَ، فَلَمّا سَلَّمُوا جَوازَ مِثْلِ هَذِهِ الحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ في حَقِّ إبْلِيسَ، فَلَأنْ يُسَلِّمُوا جَوازَ مِثْلِها في حَقِّ أكابِرِ الأنْبِياءِ كانَ أوْلى، وهَذا الإلْزامُ قَوِيٌّ عَلى مَن يُسَلِّمُ أنَّ إبْلِيسَ جِسْمٌ يَنْتَقِلُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، أمّا الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّهُ مِنَ الأرْواحِ الخَبِيثَةِ الشِّرِّيرَةِ، وأنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جُسْمانِيٍّ، فَهَذا الإلْزامُ غَيْرُ وارِدٍ عَلَيْهِمْ، إلّا أنَّ أكْثَرَ أرْبابِ المِلَلِ والنِّحَلِ يُوافِقُونَ عَلى أنَّهُ جِسْمٌ لَطِيفٌ مُتَنَقِّلٌ.

فَإنْ قالُوا: هَبْ أنَّ المَلائِكَةَ والشَّياطِينَ يَصِحُّ في حَقِّهِمْ حُصُولُ مِثْلِ هَذِهِ الحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ؛ لِأنَّهم أجْسامٌ لَطِيفَةٌ، ولا يَمْتَنِعُ حُصُولُ مِثْلِ هَذِهِ الحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ في ذَواتِها، أمّا الإنْسانُ فَإنَّهُ جِسْمٌ كَثِيفٌ فَكَيْفَ يُعْقَلُ حُصُولُ مِثْلِ هَذِهِ الحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ فِيهِ ؟

قُلْنا: نَحْنُ إنَّما اسْتَدْلَلْنا بِأحْوالِ المَلائِكَةِ والشَّياطِينِ عَلى أنَّ حُصُولَ حَرَكَةٍ مُنْتَهِيَةٍ في السُّرْعَةِ إلى هَذا الحَدِّ مُمْكِنٌ في نَفْسِ الأمْرِ، وأمّا بَيانُ أنَّ هَذِهِ الحَرَكَةَ لَمّا كانَتْ مُمْكِنَةَ الوُجُودِ في نَفْسِها كانَتْ أيْضًا مُمْكِنَةَ الحُصُولِ