< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah017
Al-Israa (17)
The Night Journey, makkah, 111 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
القَوْلِ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ الحَرَمُ؛ لِإحاطَتِهِ بِالمَسْجِدِ والتِباسِهِ بِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الحَرَمُ كُلُّهُ مَسْجِدٌ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وقَوْلُهُ:﴿إلى المَسْجِدِ الأقْصى﴾ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ بَيْتُ المَقْدِسِ، وسُمِّيَ بِالأقْصى لِبُعْدِ المَسافَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَسْجِدِ الحَرامِ، وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ قِيلَ: بِالثِّمارِ والأزْهارِ، وقِيلَ: بِسَبَبِ أنَّهُ مَقَرُّ الأنْبِياءِ ومَهْبِطُ المَلائِكَةِ.
واعْلَمْ أنَّ كَلِمَةَ ”إلى“ لِانْتِهاءِ الغايَةِ، فَمَدْلُولُ قَوْلِهِ: ﴿إلى المَسْجِدِ الأقْصى﴾ أنَّهُ وصَلَ إلى حَدِّ ذَلِكَ المَسْجِدِ، فَأمّا أنَّهُ دَخَلَ ذَلِكَ المَسْجِدَ أمْ لا، فَلَيْسَ في اللَّفْظِ دَلالَةٌ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ يَعْنِي: ما رَأى في تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِنَ العَجائِبِ والآياتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
فَإنْ قالُوا: قَوْلُهُ ﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى ما أراهُ إلّا بَعْضَ الآياتِ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ تُفِيدُ التَّبْعِيضَ، وقالَ في حَقِّ إبْراهِيمَ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾[الأنْعامِ: ٧٥] . فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مِعْراجُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أفْضَلَ مِن مِعْراجِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
قُلْنا: الَّذِي رَآهُ إبْراهِيمُ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ، والَّذِي رَآهُ مُحَمَّدٌ ﷺ بَعْضَ آياتِ اللَّهِ تَعالى، ولا شَكَّ أنَّ آياتِ اللَّهِ أفْضَلُ.
ثم قال: ﴿إنَّه هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ أيْ: أنَّ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ هو السَّمِيعُ لِأقْوالِ مُحَمَّدٍ، البَصِيرُ بِأفْعالِهِ، العالِمُ بِكَوْنِها مُهَذَّبَةً خالِصَةً عَنْ شَوائِبِ الرِّياءِ، مَقْرُونَةً بِالصِّدْقِ والصَّفاءِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الكَراماتِ، وقِيلَ: المُرادُ سَمِيعٌ لِما يَقُولُونَ لِلرَّسُولِ في هَذا الأمْرِ، بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ في هَذِهِ الواقِعَةِ.
صفحة ١١٨
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: اخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ الإسْراءِ، فالأكْثَرُونَ مِن طَوائِفِ المُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ أُسْرِيَ بِجَسَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والأقَلُّونَ قالُوا: إنَّهُ ما أُسْرِيَ إلّا بِرُوحِهِ.حُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ في تَفْسِيرِهِ، عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهُ قالَ: ذَلِكَ رُؤْيا، وأنَّهُ ما فُقِدَ جَسَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإنَّما أُسْرِيَ بِرُوحِهِ، وحُكِيَ هَذا القَوْلُ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وعَنْ مُعاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في هَذا البابِ يَقَعُ في مَقامَيْنِ:
أحَدُهُما: في إثْباتِ الجَوازِ العَقْلِيِّ.
الثّانِي: في الوُقُوعِ.
أمّا المَقامُ الأوَّلُ: وهو إثْباتُ الجَوازِ العَقْلِيِّ، فَنَقُولُ: الحَرَكَةُ الواقِعَةُ في السُّرْعَةِ إلى هَذا الحَدِّ مُمْكِنَةٌ في نَفْسِها. واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ الحَرَكَةِ في هَذا الحَدِّ مِنَ السُّرْعَةِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، فَنَفْتَقِرُ هَهُنا إلى بَيانِ مُقَدِّمَتَيْنِ:
المُقَدِّمَةُ الأُولى: في إثْباتِ أنَّ الحَرَكَةَ الواقِعَةَ إلى هَذا الحَدِّ مُمْكِنَةٌ في نَفْسِها، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الوجه الأوَّلُ: أنَّ الفَلَكَ الأعْظَمَ يَتَحَرَّكُ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ إلى آخِرِهِ ما يَقْرُبُ مِن نِصْفِ الدَّوْرِ وقَدْ ثَبَتَ في الهَنْدَسَةِ أنَّ نِسْبَةَ القُطْرِ الواحِدِ إلى الدَّوْرِ نِسْبَةُ الواحِدِ إلى ثَلاثَةٍ وسُبْعٍ، فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ نِسْبَةُ نِصْفِ القُطْرِ إلى نِصْفِ الدَّوْرِ نِسْبَةَ الواحِدِ إلى ثَلاثَةٍ وسُبْعٍ. وبِتَقْدِيرِ أنْ يُقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ارْتَفَعَ مِنمَكَّةَ إلى ما فَوْقَ الفَلَكِ الأعْظَمِ فَهو لَمْ يَتَحَرَّكْ إلّا بِمِقْدارِ نِصْفِ القُطْرِ، فَلَمّا حَصَلَ في ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ الزَّمانِ حَرَكَةُ نِصْفِ الدَّوْرِ فَكانَ حُصُولُ الحَرَكَةِ بِمِقْدارِ نِصْفِ القُطْرِ أوْلى بِالإمْكانِ؛ فَهَذا بُرْهانٌ قاطِعٌ عَلى أنَّ الِارْتِقاءَ مِن مَكَّةَ إلى ما فَوْقَ العَرْشِ في مِقْدارِ ثُلُثٍ مِنَ اللَّيْلِ أمْرٌ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ حُصُولُهُ في كُلِّ اللَّيْلِ أوْلى بِالإمْكانِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الوجه الثّانِي: وهو أنَّهُ ثَبَتَ في الهَنْدَسَةِ أنَّ قُرْصَ الشَّمْسِ يُساوِي كُرَةَ الأرْضِ مِائَةً وسِتِّينَ وكَذا مَرَّةٍ. ثُمَّ