< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah018
Al-Kahf (18)
The Cave, makkah, 110 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
صفحة ٦٢
(سُورَةُ الكَهْفِ)مِائَةٌ وإحْدى عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾
سُورَةُ الكَهْفِ
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ إنَّها مَكِّيَّةٌ غَيْرَ آيَتَيْنِ مِنها فِيهِما ذِكْرُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ الفَزارِيِّ وعَنْ قَتادَةَ أنَّها مَكِّيَّةٌ وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ ”«ألا أدُلُّكم عَلى سُورَةٍ شَيَّعَها سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ حِينَ نَزَلَتْ ؟ هي سُورَةُ الكَهْفِ» “ .
﷽
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أمّا الكَلامُ في حَقائِقِ قَوْلِنا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فَقَدْ سَبَقَ، والَّذِي أقُولُهُ هَهُنا: إنَّ التَّسْبِيحَ أيْنَما جاءَ فَإنَّما جاءَ مُقَدَّمًا عَلى التَّحْمِيدِ، ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ: ”سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ“ إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ جَلَّ جَلالُهُ ذَكَرَ التَّسْبِيحَ عِنْدَما أخْبَرَ أنَّهُ أسْرى بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ (الإسْراءِ: ١) وذَكَرَ التَّحْمِيدَ عِنْدَما ذَكَرَ أنَّهُ أنْزَلَ الكِتابَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ وفِيهِ فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ التَّسْبِيحَ أوَّلُ الأمْرِ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَمّا لا يَنْبَغِي وهو إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ كامِلًا في ذاتِهِ، والتَّحْمِيدُ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ، ولا شَكَّ أنَّ أوَّلَ الأمْرِ هو كَوْنُهُ كامِلًا في ذاتِهِ، ونِهايَةَ الأمْرِ كَوْنُهُ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ، فَلا جَرَمَ وقَعَ الِابْتِداءُ في الذِّكْرِ بِقَوْلِنا سُبْحانَ اللَّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ ”الحَمْدُ لِلَّهِ“ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَقامَ التَّسْبِيحِ مَبْدَأٌ ومَقامَ التَّحْمِيدِ نِهايَةٌ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرَ عِنْدَ الإسْراءِ لَفْظَ التَّسْبِيحِ وعِنْدَ إنْزالِ الكِتابِ لَفْظَ التَّحْمِيدِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإسْراءَ بِهِ أوَّلُ دَرَجاتِ كَمالِهِ وإنْزالَ الكِتابِ غايَةُ دَرَجاتِ كَمالِهِ، والأمْرُ في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ لِأنَّ الإسْراءَ بِهِ إلى المِعْراجِ يَقْتَضِي حُصُولَ الكَمالِ لَهُ، وإنْزالَ الكِتابِ عَلَيْهِ يَقْتَضِي
صفحة ٦٣
كَوْنَهُ مُكَمِّلًا لِلْأرْواحِ البَشَرِيَّةِ وناقِلًا لَها مِن حَضِيضِ البَهِيمِيَّةِ إلى أعْلى دَرَجاتِ المَلَكِيَّةِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا الثّانِيَ أكْمَلُ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أعْلى مَقاماتِ العِبادِ مَقامًا أنْ يَصِيرَ (العَبْدُ) عالِمًا في ذاتِهِ مُعَلِّمًا لِغَيْرِهِ ولِهَذا رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: ”«مَن تَعَلَّمَ وعَلَّمَ فَذاكَ يُدْعى عَظِيمًا في السَّماواتِ» “ .الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الإسْراءَ عِبارَةٌ عَنْ رَفْعِ ذاتِهِ مِن تَحْتُ إلى فَوْقُ، وإنْزالُ الكِتابِ عَلَيْهِ عِبارَةٌ عَنْ إنْزالِ نُورِ الوَحْيِ عَلَيْهِ مِن فَوْقُ إلى تَحْتُ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا الثّانِيَ أكْمَلُ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ مَنافِعَ الإسْراءِ بِهِ كانَتْ مَقْصُورَةً عَلَيْهِ ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ هُنالِكَ: ﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ (الإسْراءِ: ١) ومَنافِعُ إنْزالِ الكِتابِ عَلَيْهِ مُتَعَدِّيَةٌ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ﴾ والفَوائِدُ المُتَعَدِّيَةُ أفْضَلُ مِنَ القاصِرَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُشَبِّهَةُ اسْتَدَلُّوا بِلَفْظِ الإسْراءِ في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ وبِلَفْظِ الإنْزالِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى مُخْتَصٌّ بِجِهَةِ فَوْقُ، والجَوابُ عَنْهُ مَذْكُورٌ بِالتَّمامِ في سُورَةِ الأعْرافِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ (الأعْرافِ: ٥٤) .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنْزالُ الكِتابِ نِعْمَةٌ عَلَيْهِ ونِعْمَةٌ عَلَيْنا، أمّا كَوْنُهُ نِعْمَةً عَلَيْهِ فَلِأنَّهُ تَعالى أطْلَعَهُ بِواسِطَةِ هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ عَلى أسْرارِ عُلُومِ التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ وصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ وأسْرارِ أحْوالِ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ وأحْوالِ القَضاءِ