< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah011
Hud (11)
Hud, makkah, 123 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
إلى الظَّهْرِ، والكَسْرُ مِن تَغَيُّراتِ النَّسَبِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم في النِّسْبَةِ إلى الأمْسِ إمْسِيٌّ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ - وقَوْلُهُ:﴿إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ يَعْنِي أنَّهُ عالِمٌ بِأحْوالِكم فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها.
صفحة ٤٢
والنَّوْعُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ﴾ والمَكانَةُ: الحالَةُ يَتَمَكَّنُ بِها صاحِبُها مِن عَمَلِهِ، والمَعْنى اعْمَلُوا حالَ كَوْنِكم مَوْصُوفِينَ بِغايَةِ المُكْنَةِ والقُدْرَةِ، وكُلُّ ما في وُسْعِكم وطاقَتِكم مِن إيصالِ الشُّرُورِ إلَيَّ فَإنِّي أيْضًا عامِلٌ بِقَدْرِ ما آتانِي اللَّهُ تَعالى مِنَ القُدْرَةِ.* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ " فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ؟ .
والجَوابُ: إدْخالُ الفاءِ وصْلُ ظاهِرٍ بِحَرْفٍ مَوْضُوعٍ لِلْوَصْلِ، وأمّا بِحَذْفِ الفاءِ فَإنَّهُ يَجْعَلُهُ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والتَّقْدِيرُ: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ﴾ فَكَأنَّهم قالُوا: فَماذا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ ؟ فَقالَ: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ فَظَهَرَ أنَّ حَذْفَ حَرْفِ الفاءِ هَهُنا أكْمَلُ في بابِ الفَظاعَةِ والتَّهْوِيلِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وارْتَقِبُوا إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ والمَعْنى: فانْتَظِرُوا العاقِبَةَ إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ، أيْ مُنْتَظِرٌ، والرَّقِيبُ بِمَعْنى الرّاقِبِ، مِن رَقَبَهُ، كالضَّرِيبِ والصَّرِيمِ بِمَعْنى الضّارِبِ والصّارِمِ، أوْ بِمَعْنى المُراقِبِ كالعَشِيرِ والنَّدِيمِ، أوْ بِمَعْنى المُرْتَقِبِ كالفَقِيرِ والرَّفِيعِ بِمَعْنى المُفْتَقِرِ والمُرْتَفِعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ .
رَوى الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: لَمْ يُعَذِّبِ اللَّهُ تَعالى أُمَّتَيْنِ بِعَذابٍ واحِدٍ إلّا قَوْمَ شُعَيْبٍ وقَوْمَ صالِحٍ، فَأمّا قَوْمُ صالِحٍ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِن تَحْتِهِمْ، وقَوْمُ شُعَيْبٍ أخَذَتْهم مِن فَوْقِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ: ولَمّا جاءَ وقْتُ أمْرِنا مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ بِتِلْكَ الصَّيْحَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ العِقابَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ نَجّى شُعَيْبًا ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِرَحْمَةٍ مِنهُ، وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَّصَهُ مِن ذَلِكَ العَذابِ لِمَحْضِ رَحْمَتِهِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ ما يَصِلُ إلى العَبْدِ فَلَيْسَ إلّا بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الرَّحْمَةِ: الإيمانَ والطّاعَةَ وسائِرَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وهي أيْضًا ما حَصَلَتْ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ وصَفَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ العَذابِ، فَقالَ: ﴿وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ وإنَّما ذَكَرَ الصَّيْحَةَ بِالألِفِ واللّامِ إشارَةً إلى المَعْهُودِ السّابِقِ، وهي صَيْحَةُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ والجاثِمُ المُلازِمُ لِمَكانِهِ الَّذِي لا يَتَحَوَّلُ عَنْهُ، يَعْنِي أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا صاحَ بِهِمْ تِلْكَ الصَّيْحَةَ زَهَقَ رُوحُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِحَيْثُ يَقَعُ في مَكانِهِ مَيِّتًا ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ أيْ كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا في دِيارِهِمْ أحْياءً مُتَصَرِّفِينَ مُتَرَدِّدِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وإنَّما قاسَ حالَهم عَلى ثَمُودَ لِما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى عَذَّبَهم مِثْلَ عَذابِ ثَمُودَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ هي القِصَّةُ السّابِعَةُ مِنَ القِصَصِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ، وهي آخِرُ القَصَصِ مِن هَذِهِ