< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


السُّورَةِ، أمّا قَوْلُهُ:﴿بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الآياتِ: التَّوْراةُ مَعَ ما فِيها مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، ومِنَ السُّلْطانِ المُبِينِ: المُعْجِزاتُ القاهِرَةُ الباهِرَةُ، والتَّقْدِيرُ: ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِشَرائِعَ وأحْكامٍ وتَكالِيفَ، وأيَّدْناهُ بِمُعْجِزاتٍ قاهِرَةٍ وبَيِّناتٍ باهِرَةٍ.

الثّانِي: أنَّ الآياتِ هي المُعْجِزاتُ والبَيِّناتُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾[يُونُسَ: ٦٨ ] وقَوْلِهِ: ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾[النَّجْمِ: ٢٣ ] وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي الآيَةِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآياتِ فِيها سُلْطانٌ مُبِينٌ لِمُوسى عَلى صِدْقِ نُبُوَّتِهِ.

الثّانِي: أنْ يُرادَ السُّلْطانُ المُبِينُ العَصا؛ لِأنَّهُ أشْهَرُها، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أعْطى مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ، وهي العَصا، واليَدُ، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، ونَقْصٌ مِنَ الثَّمَراتِ والأنْفُسِ، ومِنهم مَن أبْدَلَ نَقَصَ الثَّمَراتِ والأنْفُسِ بِإظْلالِ الجَبَلِ وفَلْقِ البَحْرِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ الحُجَّةَ لِمَ سُمِّيَتْ بِالسُّلْطانِ ؟ فَقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لِأنَّ صاحِبَ الحُجَّةِ يَقْهَرُ مَن لا حُجَّةَ مَعَهُ عِنْدَ النَّظَرِ كَما يَقْهَرُ السُّلْطانُ غَيْرَهُ؛ فَلِهَذا تُوصَفُ الحُجَّةُ بِأنَّها سُلْطانٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: السُّلْطانُ هو الحُجَّةُ، والسُّلْطانُ سُمِّيَ سُلْطانًا لِأنَّهُ حُجَّةُ اللَّهِ في أرْضِهِ، واشْتِقاقُهُ مِنَ السَّلِيطِ، والسَّلِيطُ ما يُضاءُ بِهِ، ومِن هَذا قِيلَ لِلزَّيْتِ: السَّلِيطُ، وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ: وهو أنَّ السُّلْطانَ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّسْلِيطِ، والعُلَماءُ سَلاطِينُ؛ بِسَبَبِ كَمالِهِمْ في القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ، والمُلُوكُ سَلاطِينُ؛ بِسَبَبِ ما مَعَهم مِنَ القُدْرَةِ والمُكْنَةِ، إلّا أنَّ سَلْطَنَةَ العُلَماءِ أكْمَلُ وأقْوى مِن سَلْطَنَةِ المُلُوكِ؛ لِأنَّ سَلْطَنَةَ العُلَماءِ لا تَقْبَلُ النَّسْخَ والعَزْلَ، وسَلْطَنَةَ المُلُوكِ تَقْبَلُهُما، ولِأنَّ سَلْطَنَةَ المُلُوكِ تابِعَةٌ لِسَلْطَنَةِ العُلَماءِ، وسَلْطَنَةَ العُلَماءِ مَن جِنْسِ سَلْطَنَةِ الأنْبِياءِ، وسَلْطَنَةُ المُلُوكِ مِن جِنْسِ سَلْطَنَةِ الفَراعِنَةِ.

فَإنْ قِيلَ: إذا حَمَلْتُمُ الآياتِ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿بِآياتِنا﴾ عَلى المُعْجِزاتِ، والسُّلْطانَ أيْضًا عَلى الدَّلائِلِ، والمُبِينُ أيْضًا مَعْناهُ كَوْنُهُ سَبَبًا لِلظُّهُورِ، فَما الفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ ؟

قُلْنا: الآياتُ اسْمٌ لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ العَلاماتِ الَّتِي تُفِيدُ الظَّنَّ، وبَيْنَ الدَّلائِلِ الَّتِي تُفِيدُ اليَقِينَ، وأمّا السُّلْطانُ فَهو اسْمٌ لِما يُفِيدُ القَطْعَ واليَقِينَ، إلّا أنَّهُ اسْمٌ لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ الدَّلائِلِ الَّتِي تُؤَكَّدُ بِالحِسِّ، وبَيْنَ الدَّلائِلِ الَّتِي لَمْ تَتَأكَّدْ بِالحِسِّ، وأمّا الدَّلِيلُ القاطِعُ الَّذِي تَأكَّدَ بِالحِسِّ فَهو السُّلْطانُ المُبِينُ، ولَمّا كانَتْ

صفحة ٤٤

مُعْجِزاتُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَكَذا، لا جَرَمَ وصَفَها اللَّهُ بِأنَّها سُلْطانٌ مُبِينٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ يَعْنِي وأرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا بِمِثْلِ هَذِهِ الآياتِ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، أيْ جَماعَتِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أمْرَهُ إيّاهم بِالكُفْرِ بِمُوسى ومُعْجِزاتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ الطَّرِيقَ والشَّأْنَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أيْ بِمُرْشِدٍ إلى خَيْرٍ، وقِيلَ: رَشِيدٌ أيْ ذُو رُشْدٍ.

واعْلَمْ أنَّ بُعْدَ طَرِيقِ فِرْعَوْنَ مِنَ الرُّشْدِ كانَ ظاهِرًا؛ لِأنَّهُ كانَ دَهْرِيًّا نافِيًا لِلصّانِعِ والمَعادِ، وكانَ يَقُولُ: لا إلَهَ لِلْعالَمِ، وإنَّما يَجِبُ عَلى أهْلِ كُلِّ بَلَدٍ أنْ يَشْتَغِلُوا بِطاعَةِ سُلْطانِهِمْ وعُبُودِيَّتِهِ رِعايَةً لِمَصْلَحَةِ العالَمِ، وأنْكَرَ أنْ يَكُونَ الرُّشْدُ في عِبادَةِ اللَّهِ ومَعْرِفَتِهِ، فَلَمّا كانَ هو نافِيًا لِهَذَيْنَ الأمْرَيْنِ، كانَ خالِيًا عَنِ الرُّشْدِ بِالكُلِّيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ صِفَتَهُ وصِفَةَ قَوْمِهِ فَقالَ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ مِن حَيْثُ اللُّغَةُ: يُقالُ: قَدَمَ فُلانٌ فُلانًا بِمَعْنى تَقَدَّمَهُ، ومِنهُ قادِمَةُ الرَّجُلِ، كَما يُقالُ قَدَمَهُ، بِمَعْنى تَقَدَّمَهُ، ومِنهُ مُقَدِّمَةُ الجَيْشِ.

والبَحْثُ الثّانِي مِن حَيْثُ المَعْنى: وهو أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قُدْوَةً لِقَوْمِهِ في الضَّلالِ حالَ ما كانُوا في الدُّنْيا، وكَذَلِكَ مُقَدَّمُهم إلى النّارِ