< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah011
Hud (11)
Hud, makkah, 123 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
والثّانِي: أنَّ الضَّعِيفَ هو الأعْمى بِلُغَةِ حِمْيَرَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ؛ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِينا﴾ يُبْطِلُ هَذا الوَجْهَ؛ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قالَ: إنّا لَنَراكَ أعْمى فِينا كانَ فاسِدًا؛ لِأنَّ الأعْمى أعْمى فِيهِمْ وفي غَيْرِهِمْ.
الثّالِثُ: أنَّهم قالُوا بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ فَنَفَوْا عَنْهُ القُوَّةَ الَّتِي أثْبَتُوها في رَهْطِهِ، ولَمّا كانَ المُرادُ بِالقُوَّةِ الَّتِي أثْبَتُوها لِلرَّهْطِ هي النُّصْرَةَ، وجَبَ أنْ تَكُونَ القُوَّةُ الَّتِي نَفَوْها عَنْهُ هي النُّصْرَةَ، والَّذِينَ حَمَلُوا اللَّفْظَ عَلى ضَعْفِ البَصَرِ لَعَلَّهم إنَّما حَمَلُوهُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلضَّعْفِ.
واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا يُجَوِّزُونَ العَمى عَلى الأنْبِياءِ، إلّا أنَّ هَذا اللَّفْظَ لا يَحْسُنُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ في إثْباتِ هَذا المَعْنى؛ لِما بَيَّنّاهُ.
وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ؛ لِكَوْنِهِ مُتَعَبِّدًا، فَإنَّهُ لا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرازُ عَنِ النَّجاساتِ، ولِأنَّهُ يُخِلُّ بِجَوازِ كَوْنِهِ حاكِمًا وشاهِدًا، فَلِأنْ يَمْنَعَ مِنَ النُّبُوَّةِ كانَ أوْلى، والكَلامُ فِيهِ لا يَلِيقُ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الآيَةَ لا دَلالَةَ فِيها عَلى هَذا المَعْنى.
والنَّوْعُ الثّالِثُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي ذَكَرُوها: قَوْلُهم: ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
صفحة ٤١
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الرَّهْطُ مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشْرَةِ، وقِيلَ إلى السَّبْعَةِ، وقَدْ كانَ رَهْطُهُ عَلى مِلَّتِهِمْ. قالُوا: لَوْلا حُرْمَةُ رَهْطِكَ عِنْدَنا بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ عَلى مِلَّتِنا لَرَجَمْناكَ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ أنَّهم بَيَّنُوا أنَّهُ لا حُرْمَةَ لَهُ عِنْدَهم، ولا وقْعَ لَهُ في صُدُورِهِمْ، وأنَّهم إنَّما لَمْ يَقْتُلُوهُ لِأجْلِ احْتِرامِهِمْ رَهْطَهُ.المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الرَّجْمُ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الرَّمْيِ، وذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِالحِجارَةِ عِنْدَ قَصْدِ القَتْلِ، ولَمّا كانَ هَذا الرَّجْمُ سَبَبًا لِلْقَتْلِ لا جَرَمَ سَمَّوُا القَتْلَ رَجْمًا، وقَدْ يَكُونُ بِالقَوْلِ الَّذِي هو القَذْفُ، كَقَوْلِهِ: ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾[الكَهْفِ: ٢٢ ]، وقَوْلِهِ: ﴿ويَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾[سَبَأٍ: ٥٣ ] وقَدْ يَكُونُ بِالشَّتْمِ واللَّعْنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣٦ ] وقَدْ يَكُونُ بِالطَّرْدِ كَقَوْلِهِ: ﴿رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾[المُلْكِ: ٥ ] .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَفي الآيَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: ﴿لَرَجَمْناكَ﴾ لَقَتَلْناكَ.
الثّانِي: لَشَتَمْناكَ وطَرَدْناكَ.
النَّوْعُ الرّابِعُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي ذَكَرُوها: قَوْلُهم: ﴿وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ ومَعْناهُ أنَّكَ لَمّا لَمْ تَكُنْ عَلَيْنا عَزِيزًا، سَهُلَ عَلَيْنا الإقْدامُ عَلى قَتْلِكَ وإيذائِكَ.
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرُوها لَيْسَتْ دافِعًا لِما قَرَّرَهُ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ، بَلْ هي جارِيَةٌ مَجْرى مُقابَلَةِ الدَّلِيلِ والحُجَّةِ بِالشَّتْمِ والسَّفاهَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ياقَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ وارْتَقِبُوا إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ لَمّا خَوَّفُوا شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالقَتْلِ والإيذاءِ، حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ما ذَكَرَهُ في هَذا المَقامِ، وهو نَوْعانِ مِنَ الكَلامِ:
النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ياقَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ والمَعْنى: أنَّ القَوْمَ زَعَمُوا أنَّهم تَرَكُوا إيذاءَهُ رِعايَةً لِجانِبِ قَوْمِهِ، فَقالَ: أنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّكم تَتْرُكُونَ قَتْلِي إكْرامًا لِرَهْطِي، واللَّهُ تَعالى أوْلى أنْ يُتَّبَعَ أمْرُهُ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: حِفْظُكم إيّايَ رِعايَةً لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى أوْلى مِن حِفْظِكم إيّايَ رِعايَةً لِحَقِّ رَهْطِي.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾فالمَعْنى: أنَّكم نَسِيتُمُوهُ وجَعَلْتُمُوهُ كالشَّيْءِ المَنبُوذِ وراءَ الظَّهْرِ لا يُعْبَأُ بِهِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: والظِّهْرِيُّ مَنسُوبٌ