< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


- عَلَيْهِ السَّلامُ -: فَهو قَوْلُهُ:﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ عَنِ البَخْسِ والنُّقْصانِ ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾ بِأوْلِيائِهِ ﴿ودُودٌ﴾ . قالَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ: الوَدُودُ في أسْماءِ اللَّهِ تَعالى: المُحِبُّ لِعِبادِهِ، مِن قَوْلِهِمْ: ودِدْتُ الرَّجُلَ أوَدُّهُ، وقالَ الأزْهَرِيُّ في كِتابِ ”شَرْحِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى“: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ودُودٌ فَعُولًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كَ”رُكُوبٍ“ و”حَلُوبٍ“، ومَعْناهُ أنَّ عِبادَهُ الصّالِحِينَ يَوَدُّونَهُ ويُحِبُّونَهُ لِكَثْرَةِ إفْضالِهِ وإحْسانِهِ عَلى الخَلْقِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ الَّذِي راعاهُ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في ذِكْرِ هَذِهِ الوُجُوهِ الخَمْسَةِ تَرْتِيبٌ لَطِيفٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ بَيَّنَ أوَّلًا أنَّ ظُهُورَ البَيِّنَةِ لَهُ وكَثْرَةَ إنْعامِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ في الظّاهِرِ والباطِنِ يَمْنَعُهُ عَنِ الخِيانَةِ في وحْيِ اللَّهِ تَعالى، ويَصُدُّهُ عَنِ التَّهاوُنِ في تَكالِيفِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ ثانِيًا أنَّهُ مُواظِبٌ عَلى العَمَلِ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ، ولَوْ كانَتْ باطِلَةً لَما اشْتَغَلَ هو بِها مَعَ اعْتِرافِكم بِكَوْنِهِ حَلِيمًا رَشِيدًا، ثُمَّ بَيَّنَ صِحَّتَهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ كانَ مَعْرُوفًا بِتَحْصِيلِ مُوجِباتِ الصَّلاحِ وإخْفاءِ مُوجِباتِ الفِتَنِ، فَلَوْ كانَتْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ باطِلَةً لَما اشْتَغَلَ بِها، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ صِحَّةَ طَرِيقَتِهِ أشارَ إلى نَفْيِ المُعارِضِ وقالَ: لا يَنْبَغِي أنْ تَحْمِلَكم عَداوَتِي عَلى مَذْهَبٍ ودِينٍ تَقَعُونَ بِسَبَبِهِ في العَذابِ الشَّدِيدِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، كَما وقَعَ فِيهِ أقْوامُ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا صَحَّحَ مَذْهَبَ نَفْسِهِ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ عادَ إلى تَقْرِيرِ ما ذَكَرَهُ أوَّلًا، وهو التَّوْحِيدُ والمَنعُ مِنَ البَخْسِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم أنَّ سَبْقَ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ مِنهم لا يَنْبَغِي أنْ يَمْنَعَهم مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى رَحِيمٌ ودُودٌ، يَقْبَلُ الإيمانَ والتَّوْبَةَ مِنَ الكافِرِ والفاسِقِ؛ لِأنَّ رَحْمَتَهُ وحُبَّهُ لَهم يُوجِبُ ذَلِكَ، وهَذا التَّقْرِيرُ في غايَةِ الكَمالِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ياشُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا بالَغَ في التَّقْرِيرِ والبَيانِ، أجابُوهُ بِكَلِماتٍ فاسِدَةٍ. فالأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿قالُوا ياشُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يُخاطِبُهم بِلِسانِهِمْ، فَلِمَ قالُوا: ﴿ما نَفْقَهُ﴾ ؟ والعُلَماءُ ذَكَرُوا عَنْهُ أنْواعًا مِنَ الجَواباتِ:

فالأوَّلُ: أنَّ المُرادَ: ما نَفْهَمُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ؛ لِأنَّهم كانُوا لا يُلْقُونَ إلَيْهِ أفْهامَهم لِشِدَّةِ نَفْرَتِهِمْ عَنْ كَلامِهِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾[الأنْعامِ: ٢٥ ] .

الثّانِي: أنَّهم فَهِمُوهُ بِقُلُوبِهِمْ، ولَكِنَّهم ما أقامُوا لَهُ وزْنًا، فَذَكَرُوا هَذا الكَلامَ عَلى وجْهِ الِاسْتِهانَةِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ إذْ لَمْ يَعْبَأْ بِحَدِيثِهِ: ما أدْرِي ما تَقُولُ.

الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الدَّلائِلَ الَّتِي ذَكَرَها ما أقْنَعَتْهم في صِحَّةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والبَعْثِ، وما يَجِبُ مِن تَرْكِ الظُّلْمِ والسَّرِقَةِ، فَقَوْلُهم: ﴿ما نَفْقَهُ﴾ أيْ لَمْ نَعْرِفْ صِحَّةَ الدَّلائِلِ الَّتِي ذَكَرْتُها عَلى صِحَّةِ هَذِهِ المَطالِبِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: الفِقْهُ اسْمٌ لِعِلْمٍ مَخْصُوصٍ، وهو مَعْرِفَةُ غَرَضِ المُتَكَلِّمِ مِن كَلامِهِ، واحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ وهي قَوْلُهُ: ﴿ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ فَأضافَ الفِقْهَ إلى القَوْلِ، ثُمَّ صارَ اسْمًا لِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِن عُلُومِ الدِّينِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ اسْمٌ لِمُطْلَقِ الفَهْمِ، يُقالُ: أُوتِيَ فُلانٌ فِقْهًا في الدِّينِ، أيْ فَهْمًا، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ» “ أيْ يُفَهِّمْهُ تَأْوِيلَهُ.

والنَّوْعُ الثّانِي مِنَ الأشْياءِ الَّتِي ذَكَرُوها: قَوْلُهم: ﴿وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا﴾ وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ الضَّعِيفُ الَّذِي يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ مَنعُ القَوْمِ عَنْ نَفْسِهِ.