< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


مُقَدَّمَةٌ عَلى تَرْبِيَةِ الوَلَدِ، فَإذا كانَ حَقُّ المَوْلى المَجازِيِّ مُقَدَّمًا، فَبِأنْ يَكُونَ حَقُّ المَوْلى الحَقِيقِيِّ مُقَدَّمًا كانَ أوْلى، ثُمَّ رُوِيَ«أنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَأْذَنَ الرَّسُولَ ﷺ في التَّزَوُّجِ بِابْنَةِ أبِي جَهْلٍ فَضَجِرَ، وقالَ: لا آذَنُ لا آذَنُ لا آذَنُ إنَّ فاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي ما يُؤْذِيها ويَسُرُّنِي ما يَسُرُّها، واللَّهِ لا يُجْمَعُ بَيْنَ بِنْتِ عَدُوِّ اللَّهِ، وبِنْتِ حَبِيبِ اللَّهِ»، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: صَرَّحْتَ هُناكَ بِالرَّدِّ وكَرَّرْتَهُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ رِعايَةً لِحَقِّ الوَلَدِ، فَهَهُنا أوْلى أنْ تُصَرِّحَ بِالرَّدِّ، وتُكَرِّرَهُ رِعايَةً لِحَقِّ المَوْلى فَقُلْ: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ولا أجْمَعُ في القَلْبِ بَيْنَ طاعَةِ الحَبِيبِ وطاعَةِ العَدُوِّ.

الثّالِثُ والثَّلاثُونَ: يا مُحَمَّدُ ألَسْتَ قُلْتَ لِعُمَرَ: «رَأيْتُ قَصْرًا في الجَنَّةِ، فَقُلْتُ: لِمَن ؟ فَقِيلَ: لِفَتًى مِن قُرَيْشٍ، فَقُلْتَ: مَن هو ؟ فَقالُوا: عُمَرُ فَخَشِيتُ غَيْرَتَكَ فَلَمْ أدْخُلْها حَتّى قالَ عُمَرُ: أوَأغارُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ»، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: خَشِيتَ غَيْرَةَ عُمَرَ فَما دَخَلْتَ قَصْرَهُ أفَما تَخْشى غَيْرَتِي في أنْ تُدْخِلَ قَلْبَكَ طاعَةَ غَيْرِي، ثُمَّ هُناكَ أظْهَرْتَ الِامْتِناعَ فَهَهُنا أيْضًا أظْهِرِ الِامْتِناعَ و﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ .

الرّابِعُ والثَّلاثُونَ: أتَرى أنَّ نِعْمَتِي عَلَيْكَ دُونَ نِعْمَةِ الوالِدَةِ ؟ ألَمْ أُرَبِّكَ ؟ ألَمْ أخْلُقْكَ ؟ ألَمْ أُرْزَقْكَ ؟ ألَمْ أُعْطِكَ الحَياةَ والقُدْرَةَ والعَقْلَ والهِدايَةَ والتَّوْفِيقَ ؟ ثُمَّ حِينَ كُنْتَ طِفْلًا عَدِيمَ العَقْلِ وعَرَفْتَ تَرْبِيَةَ الأُمِّ فَلَوْ أخَذَتْكَ امْرَأةٌ أجْمَلُ وأحْسَنُ وأكْرَمُ مِن أُمِّكَ لَأظْهَرْتَ النَّفْرَةَ ولَبَكَيْتَ ولَوْ أعْطَتْكَ الثَّدْيَ لَسَدَدْتَ فَمَكَ تَقُولُ لا أُرِيدُ غَيْرَ الأُمِّ؛ لِأنَّها أوَّلُ المُنْعِمِ عَلَيَّ، فَهَهُنا أوْلى أنْ تُظْهِرَ النَّفْرَةَ، فَتَقُولَ: لا أعْبُدُ سِوى رَبِّي؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مُنْعِمٍ عَلَيَّ فَقُلْ: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ .

الخامِسُ والثَّلاثُونَ: نِعْمَةُ الإطْعامِ دُونَ نِعْمَةِ العَقْلِ والنُّبُوَّةِ، ثُمَّ قَدْ عَرَفْتَ أنَّ الشّاةَ والكَلْبَ لا يَنْسَيانِ نِعْمَةَ الإطْعامِ ولا يَمِيلانِ إلى غَيْرِ مَن أطْعَمَهُما فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يَنْسى نِعْمَةَ الإيجادِ والإحْسانِ ؟ فَكَيْفَ في حَقِّ أفْضَلِ الخَلْقِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ .

السّادِسُ والثَّلاثُونَ: مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ أنَّهُ يَثْبُتُ حَقُّ الفُرْقَةِ بِواسِطَةِ الإعْسارِ بِالنَّفَقَةِ فَإذا لَمْ تَجِدْ مِنَ الأنْصارِ تَرْبِيَةً حَصَّلْتُ لَكَ حَقَّ الفُرْقَةِ لَوْ كُنْتَ مُتَّصِلًا بِها، ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ فَبِتَقْدِيرِ أنْ كُنْتَ مُتَّصِلًا بِها، كانَ يَجِبُ أنْ تَنْفَصِلَ عَنْها وتَتْرُكَها، فَكَيْفَ وما كُنْتَ مُتَّصِلًا بِها ؟ أيَلِيقُ بِكَ أنْ تُقَرِّبَ الِاتِّصالَ بِها ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ .

السّابِعُ والثَّلاثُونَ: هَؤُلاءِ الكُفّارُ لِفَرْطِ حَماقَتِهِمْ ظَنُّوا أنَّ الكَثْرَةَ في الإلَهِيَّةِ كالكَثْرَةِ في المالِ يَزِيدُ بِهِ الغِنى ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ هو كالكَثْرَةِ في العِيالِ تَزِيدُ بِهِ الحاجَةُ فَقُلْ: يا مُحَمَّدُ: لِي إلَهٌ واحِدٌ أقُومُ لَهُ في اللَّيْلِ وأصُومُ لَهُ في النَّهارِ، ثُمَّ بَعْدُ لَمْ أتَفَرَّغْ مِن قَضاءِ حَقِّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ نِعَمِهِ، فَكَيْفَ ألْتَزِمُ عِبادَةَ آلِهَةٍ كَثِيرَةٍ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾

الثّامِنُ والثَّلاثُونَ: أنَّ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ لَمّا تَمَثَّلَ لَها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾[مريم: ١٨] فاسْتَعاذَتْ أنْ تَمِيلَ إلى جِبْرِيلَ دُونَ اللَّهِ أفَتَسْتَجِيزُ مَعَ كَمالِ رُجُولِيَّتِكَ أنْ تَمِيلَ إلى الأصْنامِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾

التّاسِعُ والثَّلاثُونَ: مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ لا يُثْبِتُ حَقَّ الفُرْقَةِ بِالعَجْزِ عَنِ النَّفَقَةِ ولا بِالعُنَّةِ الطّارِئَةِ يَقُولُ: لِأنَّهُ كانَ قَيِّمًا فَلا يَحْسُنُ الإعْراضُ عَنْهُ