< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


الإنْكارَ ولَبالَغْتَ فِيهِ، حَتّى قُلْتَ: ”«وُلِدْتُ مِن نِكاحٍ ولَمْ أُولَدْ مِن سِفاحٍ» “ فَإذا لَمْ تَسْكُتْ عِنْدَ التَّشْرِيكِ في الوِلادَةِ، فَكَيْفَ سَكَتَّ عِنْدَ التَّشْرِيكِ في العِبادَةِ ؟ بَلْ أظْهِرِ الإنْكارَ، وبالِغْ في التَّصْرِيحِ بِهِ، و﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ .

الثّامِنُ والعِشْرُونَ: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ ألَسْتُ قَدْ أنْزَلْتُ عَلَيْكَ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾[النحل: ١٧] فَحَكَمْتُ بِأنَّ مَن سَوّى بَيْنَ الإلَهِ الخالِقِ وبَيْنَ الوَثَنِ الجَمادِ في المَعْبُودِيَّةِ لا يَكُونُ عاقِلًا بَلْ يَكُونُ مَجْنُونًا، ثُمَّ إنِّي أقْسَمْتُ وقُلْتُ: ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾[القلم: ٣] والكُفّارُ يَقُولُونَ: إنَّكَ مَجْنُونٌ، فَصَرِّحْ بِرَدِّ مَقالَتِهِمْ فَإنَّها تُفِيدُ بَراءَتِي عَنْ عَيْبِ الشِّرْكِ، وبَراءَتِكَ عَنْ عَيْبِ الجُنُونِ و﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ .

التّاسِعُ والعِشْرُونَ: أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ سَمَّوُا الأوْثانَ آلِهَةً، والمُشارَكَةُ في الِاسْمِ لا تُوجِبُ المُشارَكَةَ في المَعْنى، ألا تَرى أنَّ الرَّجُلَ والمَرْأةَ يَشْتَرِكانِ في الإنْسانِيَّةِ حَقِيقَةً، ثُمَّ القَيِّمِيَّةُ كُلُّها حَظُّ الزَّوْجِ؛ لِأنَّهُ أعْلَمُ وأقْدَرُ، ثُمَّ مَن كانَ أعْلَمَ وأقْدَرَ كانَ لَهُ كُلُّ الحَقِّ في القَيِّمِيَّةِ، فَمَن لا قُدْرَةَ لَهُ ولا عِلْمَ البَتَّةَ كَيْفَ يَكُونُ لَهُ حَقٌّ في القَيُّومِيَّةِ، بَلْ هَهُنا شَيْءٌ آخَرُ: وهو أنَّ امْرَأةً لَوِ ادَّعاها رَجُلانِ فاصْطَلَحا عَلَيْها لا يَجُوزُ، ولَوْ أقامَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بَيِّنَةً عَلى أنَّها زَوْجَتُهُ لَمْ يُقْضَ لِواحِدٍ مِنهُما، والجارِيَةُ بَيْنَ اثْنَيْنِ لا تَحِلُّ لِواحِدٍ مِنهُما، فَإذا لَمْ يَجُزْ حُصُولُ زَوْجَةٍ لِزَوْجَيْنِ، ولا أمَةٍ بَيْنَ مَوْلَيَيْنِ في حِلِّ الوَطْءِ فَكَيْفَ يُعْقَلُ عابِدٌ واحِدٌ بَيْنَ مَعْبُودِينَ ؟ بَلْ مَن جَوَّزَ أنْ يَصْطَلِحَ الزَّوْجانِ عَلى أنْ تَحِلَّ الزَّوْجَةُ لِأحَدِهِما شَهْرًا، ثُمَّ الثّانِي شَهْرًا آخَرَ كانَ كافِرًا، فَمَن جَوَّزَ الصُّلْحَ بَيْنَ الإلَهِ والصَّنَمِ ألا يَكُونَ كافِرًا فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِرَسُولِهِ: إنَّ هَذِهِ المَقالَةَ في غايَةِ القُبْحِ فَصَرِّحْ بِالإنْكارِ وقُلْ: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ .

الثَّلاثُونَ: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أنَسِيتَ أنِّي لَمّا خَيَّرْتُ نِساءَكَ حِينَ أنْزَلْتُ عَلَيْكَ: ﴿قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾[الأحزاب: ٢٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾[الأحزاب: ٢٩] ثُمَّ خَشِيتَ مِن عائِشَةَ أنْ تَخْتارَ الدُّنْيا، فَقُلْتَ لَها: لا تَقُولِي شَيْئًا حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ، فَقالَتْ: أفِي هَذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ، بَلْ أخْتارُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ ! فَناقِصَةُ العَقْلِ ما تَوَقَّفَتْ فِيما يُخالِفُ رِضايَ أتَتَوَقَّفُ فِيما يُخالِفُ رِضايَ وأمْرِي ؟ مَعَ أنِّي جَبّارُ السَّماواتِ والأرْضِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ .

الحادِي والثَّلاثُونَ: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ ألَسْتَ أنْتَ الَّذِي قُلْتَ: «مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ فَلا يُوقَفَنَّ مَواقِفَ التُّهَمِ»، وحَتّى إنَّ بَعْضَ المَشايِخِ قالَ لِمُرِيدِهِ الَّذِي يُرِيدُ أنْ يُفارِقَهُ: لا تَخَفِ السُّلْطانَ قالَ: ولِمَ ؟ قالَ: لِأنَّهُ يُوقِعُ النّاسَ في أحَدِ الخَطَأيْنِ، وإمّا أنْ يَعْتَقِدُوا أنَّ السُّلْطانَ مُتَدَيِّنٌ؛ لِأنَّهُ يُخالِطُهُ العالِمُ الزّاهِدُ، أوْ يَعْتَقِدُوا أنَّكَ فاسِقٌ مِثْلُهُ، وكِلاهُما خَطَأٌ، فَإذا ثَبَتَ أنَّهُ يَجِبُ البَراءَةُ عَنْ مَوْقِفِ التُّهَمِ فَسُكُوتُكَ يا مُحَمَّدُ عَنْ هَذا الكَلامِ يَجُرُّ إلَيْكَ تُهْمَةَ الرِّضا بِذَلِكَ، لا سِيَّما وقَدْ سَبَقَ أنَّ الشَّيْطانَ ألْقى فِيما بَيْنَ قِراءَتِكَ: تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلى مِنها الشَّفاعَةُ تُرْتَجى، فَأزِلْ عَنْ نَفْسِكَ هَذِهِ التُّهْمَةَ و﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾

صفحة ١٣٢

الثّانِي والثَّلاثُونَ: الحُقُوقُ في الشّاهِدِ نَوْعانِ حَقُّ مَن أنْتَ تَحْتَ يَدِهِ، وهو مَوْلاكَ، وحَقُّ مَن هو تَحْتَ يَدِكَ وهو الوَلَدُ، ثُمَّ أجْمَعْنا عَلى أنَّ خِدْمَةَ المَوْلى