< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah109
Al-Kaafiroon (109)
The Disbelievers, makkah, 6 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
مَعَ أنَّهُ تَعَيَّبَ، فالحَقُّ سُبْحانَهُ يَقُولُ: كُنْتُ قَيِّمًا ولَمْ أتَعَيَّبْ، فَكَيْفَ يَجُوزُ الإعْراضُ عَنِّي:﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ .
الأرْبَعُونَ: هَؤُلاءِ الكُفّارُ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهم: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾[لقمان: ٢٥] وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾[فاطر: ٤٠] فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ:
صفحة ١٣٣
هَذِهِ الشَّرِكَةُ إمّا أنْ تَكُونَ مُزارَعَةً وذَلِكَ باطِلٌ؛ لِأنَّ البَذْرَ مِنِّي والتَّرْبِيَةَ والسَّقْيَ مِنِّي، والحِفْظَ مِنِّي، فَأيُّ شَيْءٍ لِلصَّنَمِ، أوْ شَرِكَةَ الوُجُوهِ وذَلِكَ أيْضًا باطِلٌ أتُرى أنَّ الصَّنَمَ أكْثَرُ شُهْرَةً وظُهُورًا مِنِّي، أوْ شَرِكَةَ الأبْدانِ وذَلِكَ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي الجِنْسِيَّةَ، أوْ شَرِكَةَ العِنانِ، وذَلِكَ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِن نِصابٍ فَما نِصابُ الأصْنامِ، أوْ يَقُولُ: لَيْسَ هَذِهِ مِن بابِ الشَّرِكَةِ لَكِنَّ الصَّنَمَ يَأْخُذُ بِالتَّغَلُّبِ نَصِيبًا مِنَ المُلْكِ، فَكَأنَّ الرَّبَّ يَقُولُ: ما أشَدَّ جَهْلَكم، إنَّ هَذا الصَّنَمَ أكْثَرُ عَجْزًا مِنَ الذُّبابَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا﴾[الحج: ٧٣] فَأنا أخْلُقُ البَذْرَ ثُمَّ أُلْقِيهِ في الأرْضِ، فالتَّرْبِيَةُ والسَّقْيُ والحِفْظُ مِنِّي، ثُمَّ إنَّ مَن هو أعْجَزُ مِنَ الذُّبابَةِ يَأْخُذُ بِالقَهْرِ والتَّغَلُّبِ نَصِيبًا مِنِّي، ما هَذا بِقَوْلٍ يَلِيقُ بِالعُقَلاءِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ .الحادِي والأرْبَعُونَ: أنَّهُ لا ذَرَّةَ في عالَمِ المُحْدَثاتِ إلّا وهي تَدْعُو العُقُولَ إلى مَعْرِفَةِ الذّاتِ والصِّفاتِ، وأمّا الدُّعاةُ إلى مَعْرِفَةِ أحْكامِ اللَّهِ فَهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولَمّا كانَ كُلُّ بَقٍّ وبَعُوضَةٍ داعِيًا إلى مَعْرِفَةِ الذّاتِ والصِّفاتِ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾[البقرة: ٢٦] ذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ البَعُوضَةَ بِحَسَبِ حُدُوثِ ذاتِها وصِفاتِها تَدْعُو إلى قُدْرَةِ اللَّهِ، وبِحَسَبِ تَرْكِيبِها العَجِيبِ تَدْعُو إلى عِلْمِ اللَّهِ وبِحَسَبِ تَخْصِيصِ ذاتِها وصِفاتِها بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ تَدْعُو إلى إرادَةِ اللَّهِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: مِثْلُ هَذا الشَّيْءِ كَيْفَ يُسْتَحْيا مِنهُ ؟ رُوِيَ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ في أيّامِ خِلافَتِهِ دَخَلَ السُّوقَ فاشْتَرى كَرِشًا وحَمَلَهُ بِنَفْسِهِ فَرَآهُ عَلِيٌّ مِن بَعِيدٍ فَتَنَكَّبَ عَلِيٌّ عَنِ الطَّرِيقِ فاسْتَقْبَلَهُ عُمَرُ، وقالَ لَهُ: لِمَ تَنَكَّبْتَ عَنِ الطَّرِيقِ ؟ فَقالَ عَلِيٌّ: حَتّى لا تَسْتَحْيِيَ، فَقالَ: وكَيْفَ أسْتَحْيِي مِن حَمْلِ ما هو غِذائِي ؟ فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إذا كانَ عُمَرُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الكَرِشِ الَّذِي هو غِذاؤُهُ في الدُّنْيا، فَكَيْفَ أسْتَحْيِي عَنْ ذِكْرِ البَعُوضِ الَّذِي يُعْطِيكَ غِذاءَ دِينِكَ ؟ ثُمَّ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ إنَّ نُمْرُوذَ لَمّا ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ صاحَ عَلَيْهِ البَعُوضُ بِالإنْكارِ، فَهَؤُلاءِ الكُفّارُ لَمّا دَعَوْكَ إلى الشِّرْكَ أفَلا تَصِيحُ عَلَيْهِمْ ! أفَلا تُصَرِّحُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ وإنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا ادَّعى الإلَهِيَّةَ فَجِبْرِيلُ مَلَأ فاهُ مِنَ الطِّينِ فَإنْ كُنْتَ ضَعِيفًا فَلَسْتَ أضْعَفَ مِن بَعُوضَةِ نُمْرُوذَ، وإنْ كُنْتَ قَوِيًّا فَلَسْتَ أقْوى مِن جِبْرِيلَ، فَأظْهِرِ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ و﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ .
الثّانِي والأرْبَعُونَ: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ: (قُلْ) بِلِسانِكَ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ واتْرُكْهُ قَرْضًا عَلَيَّ فَإنِّي أقْضِيكَ هَذا القَرْضَ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، ألا تَرى أنَّ النَّصْرانِيَّ إذا قالَ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَأقُولُ أنا لا أكْتَفِي بِهَذا ما لَمْ تُصَرِّحْ بِالبَراءَةِ عَنِ النَّصْرانِيَّةِ، فَلَمّا أوْجَبْتُ عَلى كُلِّ مُكَلَّفٍ أنْ يَتَبَرَّأ بِصَرِيحِ لِسانِهِ عَنْ كُلِّ دِينٍ يُخالِفُ دِينَكَ فَأنْتَ أيْضًا أوْجِبْ عَلى نَفْسِكَ أنْ تُصَرِّحَ بِرَدِّ كُلِّ مَعْبُودٍ غَيْرِي فَقُلْ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ .