< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


فَكانَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تامًّا، وكانَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَوْقَ التَّمامِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما قالَ: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ ولَمْ يَقُلْ تَوَكَّلُوا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الأوَّلَ يُفِيدُ الحَصْرَ كَأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَهم بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، ونَهاهم عَنِ التَّوَكُّلِ عَلى الغَيْرِ، والأمْرُ كَذَلِكَ، لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ وتَحْتَ تَصَرُّفِهِ وتَسْخِيرِهِ وتَحْتَ حُكْمِهِ وتَدْبِيرِهِ، امْتَنَعَ في العَقْلِ أنْ يَتَوَكَّلَ الإنْسانُ عَلى غَيْرِهِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ جاءَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ بِهَذِهِ العِبارَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا أمَرَهم بِذَلِكَ قَبِلُوا قَوْلَهُ: ﴿فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ أيْ تَوَكَّلْنا عَلَيْهِ، ولا نَلْتَفِتُ إلى أحَدٍ سِواهُ، ثُمَّ لَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ اشْتَغَلُوا بِالدُّعاءِ، فَطَلَبُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى شَيْئَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ قالُوا: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ لا تَفْتِنْ بِنا فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ؛ لِأنَّكَ لَوْ سَلَّطْتَهم عَلَيْنا لَوَقَعَ في قُلُوبِهِمْ أنّا لَوْ كُنّا عَلى الحَقِّ لَما سَلَّطْتَهم عَلَيْنا، فَيَصِيرُ ذَلِكَ شُبْهَةً قَوِيَّةً في إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، فَيَصِيرُ تَسْلِيطُهم عَلَيْنا فِتْنَةً لَهم.

الثّانِي: أنَّكَ لَوْ سَلَّطْتَهم عَلَيْنا لاسْتَوْجَبُوا العِقابَ الشَّدِيدَ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ يَكُونُ فِتْنَةً لَهم.

الثّالِثُ: ﴿لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ أيْ مَوْضِعَ فِتْنَةٍ لَهم، أيْ مَوْضِعَ عَذابٍ لَهم.

الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ المَفْتُونَ؛ لِأنَّ إطْلاقَ لَفْظِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ جائِزٌ، كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، والتَّكْوِينِ بِمَعْنى المُكَوَّنِ، والمَعْنى: لا تَجْعَلْنا مَفْتُونِينَ، أيْ لا تُمَكِّنَهم مِن أنْ يَحْمِلُونا بِالظُّلْمِ والقَهْرِ عَلى أنْ نَنْصَرِفَ عَنْ هَذا الدِّينِ الحَقِّ الَّذِي قَبِلْناهُ، وهَذا التَّأْوِيلُ مُتَأكِّدٌ بِما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ﴾

صفحة ١١٨

﴿مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ .

وأمّا المَطْلُوبُ الثّانِي في هَذا الدُّعاءِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ اهْتِمامُ هَؤُلاءِ بِأمْرِ دِينِهِمْ فَوْقَ اهْتِمامِهِمْ بِأمْرِ دُنْياهم، وذَلِكَ لِأنّا إنْ حَمَلْنا قَوْلَهم: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ عَلى أنَّهم إنْ سُلِّطُوا عَلى المُسْلِمِينَ صارَ ذَلِكَ شُبْهَةً لَهم في أنَّ هَذا الدِّينَ باطِلٌ فَتَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ تَعالى في أنْ يَصُونَ أُولَئِكَ الكُفّارَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، وقَدَّمُوا هَذا الدُّعاءَ عَلى طَلَبِ النَّجاةِ لِأنْفُسِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنايَتَهم بِمَصالِحِ دِينِ أعْدائِهِمْ فَوْقَ عِنايَتِهِمْ بِمَصالِحِ أنْفُسِهِمْ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى أنْ لا يُمَكِّنَ اللَّهُ تَعالى أُولَئِكَ الكُفّارَ مِن أنْ يَحْمِلُوهم عَلى تَرْكِ هَذا الدِّينِ كانَ ذَلِكَ أيْضًا دَلِيلًا عَلى أنَّ اهْتِمامَهم بِمَصالِحِ أدْيانِهِمْ فَوْقَ اهْتِمامِهِمْ بِمَصالِحِ أبْدانِهِمْ، وعَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ فَهَذِهِ لَطِيفَةٌ شَرِيفَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً وأقِيمُوا الصَّلاةَ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا شَرَحَ خَوْفَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الكافِرِينَ وما ظَهَرَ مِنهم مَنَ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى أتْبَعَهُ بِأنْ أمَرَ مُوسى وهارُونَ بِاتِّخاذِ المَساجِدِ والإقْبالِ عَلى الصَّلَواتِ، يُقالُ: تَبَوَّأ المَكانَ، أيِ اتَّخَذَهُ مُبَوَّأً، كَقَوْلِهِ تَوَطَّنَهُ إذا اتَّخَذَهُ مَوْطِنًا، والمَعْنى: اجْعَلا بِمِصْرَ بُيُوتًا لِقَوْمِكُما ومَرْجِعًا تَرْجِعُونَ إلَيْهِ لِلْعِبادَةِ والصَّلاةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:

البَحْثُ الأوَّلُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ مِنَ البُيُوتِ المَساجِدُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾[النور: ٣٦] ومِنهم مَن قالَ: المُرادُ مُطْلَقُ البُيُوتِ، أمّا الأوَّلُونَ فَقَدْ فَسَّرُوا القِبْلَةَ بِالجانِبِ الَّذِي يُسْتَقْبَلُ في الصَّلاةِ، ثُمَّ قالُوا: والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: