< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah010
Yunus (10)
Jonas, makkah, 109 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
أُولَئِكَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى كانُوا خائِفِينَ مِن فِرْعَوْنَ جِدًّا؛ لِأنَّهُ كانَ شَدِيدَ البَطْشِ، وكانَ قَدْ أظْهَرَ العَداوَةَ مَعَ مُوسى، فَإذا عَلِمَ مَيْلَ القَوْمِ إلى مُوسى كانَ يُبالِغُ في إيذائِهِمْ، فَلِهَذا السَّبَبِ كانُوا خائِفِينَ مِنهُ.
البَحْثُ الثّانِي: إنَّما قالَ: ﴿ومَلَئِهِمْ﴾ مَعَ أنَّ فِرْعَوْنَ واحِدٌ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الواحِدِ بِلَفْظِ الجَمْعِ، والمُرادُ التَّعْظِيمُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾[الحجر: ٩]
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِفِرْعَوْنَ آلُ فِرْعَوْنَ.
الثّالِثُ: أنَّ هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ كَأنَّهُ أُرِيدَ بِفِرْعَوْنَ آلُ فِرْعَوْنَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ أيْ يَصْرِفَهم عَنْ دِينِهِمْ بِتَسْلِيطِ أنْواعِ البَلاءِ عَلَيْهِمْ.* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ﴾ أيْ لَغالِبٌ فِيها قاهِرٌ ﴿وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ قِيلَ: المُرادُ أنَّهُ كَثِيرُ القَتْلِ كَثِيرُ التَّعْذِيبِ لِمَن يُخالِفُهُ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، والغَرَضُ مِنهُ بَيانُ السَّبَبِ في كَوْنِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ خائِفِينَ، وقِيلَ: إنَّما كانَ مُسْرِفًا لِأنَّهُ كانَ مِن أخَسِّ العَبِيدِ، فادَّعى الإلَهِيَّةَ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالَ مُوسى ياقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾﴿فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ جَزاءٌ مُعَلَّقٌ عَلى شَرْطَيْنِ:
أحَدُهُما مُتَقَدِّمٌ والآخَرُ مُتَأخِّرٌ، والفُقَهاءُ قالُوا: المُتَأخِّرُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا، والمُتَقَدِّمُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَأخِّرًا. ومِثالُهُ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأتِهِ: إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ إنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا، وإنَّما كانَ الأمْرُ
صفحة ١١٧
كَذَلِكَ؛ لِأنَّ مَجْمُوعَ قَوْلِهِ: إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ، صارَ مَشْرُوطًا بِقَوْلِهِ إنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا، والمَشْرُوطُ مُتَأخِّرٌ عَنِ الشَّرْطِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُتَأخِّرُ في اللَّفْظِ مُتَقَدِّمًا في المَعْنى، وأنْ يَكُونَ المُتَقَدِّمُ في اللَّفْظِ مُتَأخِّرًا في المَعْنى والتَّقْدِيرُ: كَأنَّهُ يَقُولُ لِامْرَأتِهِ حالَ ما كَلَّمْتِ زَيْدًا إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ، فَلَوْ حَصَلَ هَذا التَّعْلِيقُ قَبْلَ إنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا لَمْ يَقَعِ الطَّلاقُ.إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى ياقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كَوْنُهم مُسْلِمِينَ شَرْطًا لِأنْ يَصِيرُوا مُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِلْمُسْلِمِ حالَ إسْلامِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْ، والأمْرُ كَذَلِكَ، لِأنَّ الإسْلامَ عِبارَةٌ عَنِ الِاسْتِسْلامِ، وهو إشارَةٌ إلى الِانْقِيادِ لِلتَّكالِيفِ الصّادِرَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وإظْهارِ الخُضُوعِ، وتَرْكِ التَّمَرُّدِ، وأمّا الإيمانُ فَهو عِبارَةٌ عَنْ صَيْرُورَةِ القَلْبِ عارِفًا بِأنَّ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ واحِدٌ، وأنَّ ما سِواهُ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ تَحْتَ تَدْبِيرِهِ وقَهْرِهِ وتَصَرُّفِهِ، وإذا حَصَلَتْ هاتانِ الحالَتانِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُفَوِّضُ العَبْدُ جَمِيعَ أُمُورِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، ويَحْصُلُ في القَلْبِ نُورُ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، فَهَذِهِ الآيَةُ مِن لَطائِفِ الأسْرارِ، والتَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ عِبارَةٌ عَنْ تَفْوِيضِ الأُمُورِ بِالكُلِّيَّةِ إلى اللَّهِ تَعالى، والِاعْتِمادِ في كُلِّ الأحْوالِ عَلى اللَّهِ تَعالى.
واعْلَمْ أنَّ مَن تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في كُلِّ المُهِمّاتِ كَفاهُ اللَّهُ تَعالى كُلَّ المُلِمّاتِ، لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾[الطلاق: ٣] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ هَذا الَّذِي أمَرَ مُوسى قَوْمَهُ بِهِ وهو التَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ هو الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ: ﴿فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾[يونس: ٧١]وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ التَّفاوُتُ بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ؛ لِأنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - وصَفَ نَفْسَهُ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى، ومُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَ قَوْمَهُ بِذَلِكَ،