< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah010
Yunus (10)
Jonas, makkah, 109 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ أيِ اجْعَلُوا بُيُوتَكم مَساجِدَ تَسْتَقْبِلُونَها لِأجْلِ الصَّلاةِ، وقالَ الفَرّاءُ: واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً، أيْ إلى القِبْلَةِ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً أيْ قِبَلًا يَعْنِي مَساجِدَ، فَأطْلَقَ لَفْظَ الوُحْدانِ، والمُرادُ الجَمْعُ، واخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ القِبْلَةَ أيْنَ كانَتْ ؟ فَظاهِرٌ أنَّ لَفْظَ القُرْآنِ لا يَدُلُّ عَلى تَعْيِينِهِ، إلّا أنَّهُ نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كانَتِ الكَعْبَةُ قِبْلَةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: الكَعْبَةُ قِبْلَةُ كُلِّ الأنْبِياءِ، وإنَّما وقَعَ العُدُولُ عَنْها بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى في أيّامِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ الهِجْرَةِ.
وقالَ آخَرُونَ: كانَتْ تِلْكَ القِبْلَةُ جِهَةَ بَيْتِ المَقْدِسِ.
وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ المُرادَ مِن لَفْظِ البُيُوتِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ مُطْلَقُ البَيْتِ، فَهَؤُلاءِ لَهم في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: (قِبْلَةً) وجْهانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِجَعْلِ تِلْكَ البُيُوتِ قِبْلَةً أيْ مُتَقابِلَةً، والمَقْصُودُ مِنهُ حُصُولُ الجَمْعِيَّةِ واعْتِضادُ البَعْضِ بِالبَعْضِ.
وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ واجْعَلُوا دُورَكم قِبْلَةً، أيْ صَلُّوا في بُيُوتِكم.
صفحة ١١٩
البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى خَصَّ مُوسى وهارُونَ في أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ بِالخِطابِ فَقالَ: ﴿أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ ثُمَّ عَمَّمَ هَذا الخِطابَ فَقالَ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى أمَرَ مُوسى وهارُونَ أنْ يَتَبَوَّءا لِقَوْمِهِما بُيُوتًا لِلْعِبادَةِ، وذَلِكَ مِمّا يُفَوَّضُ إلى الأنْبِياءِ، ثُمَّ جاءَ الخِطابُ بَعْدَ ذَلِكَ عامًّا لَهُما ولِقَوْمِهِما بِاتِّخاذِ المَساجِدِ والصَّلاةِ فِيها؛ لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلى الكُلِّ، ثُمَّ خَصَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في آخِرِ الكَلامِ بِالخِطابِ فَقالَ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الغَرَضَ الأصْلِيَّ مِن جَمِيعِ العِباداتِ حُصُولُ هَذِهِ البِشارَةِ، فَخَصَّ اللَّهُ تَعالى مُوسى بِها، لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الأصْلَ في الرِّسالَةِ هو مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّ هارُونَ تَبَعٌ لَهُ.البَحْثُ الثّالِثُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الواقِعَةِ وُجُوهًا ثَلاثَةً:
الأوَّلُ: أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن مَعَهُ كانُوا في أوَّلِ أمْرِهِمْ مَأْمُورِينَ بِأنْ يُصَلُّوا في بُيُوتِهِمْ خُفْيَةً مِنَ الكَفَرَةِ؛ لِئَلّا يَظْهَرُوا عَلَيْهِمْ فَيُؤْذُوهم ويَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ، كَما كانَ المُؤْمِنُونَ عَلى هَذِهِ الحالَةِ في أوَّلِ الإسْلامِ في مَكَّةَ.
الثّانِي: قِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أرْسَلَ مُوسى إلَيْهِمْ أمَرَ فِرْعَوْنُ بِتَخْرِيبِ مَساجِدِ بَنِي إسْرائِيلَ ومَنعِهِمْ مِنَ الصَّلاةِ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَتَّخِذُوا مَساجِدَ في بُيُوتِهِمْ ويُصَلُّوا فِيها خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أرْسَلَ مُوسى إلَيْهِمْ وأظْهَرَ فِرْعَوْنُ تِلْكَ العَداوَةَ الشَّدِيدَةَ أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُوسى وهارُونَ وقَوْمَهُما بِاتِّخاذِ المَساجِدِ عَلى رَغْمِ الأعْداءِ، وتَكَفَّلَ تَعالى أنَّهُ يَصُونُهم عَنْ شَرِّ الأعْداءِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالَ مُوسى رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا في الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فاسْتَقِيما ولا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ مُوسى لَمّا بالَغَ في إظْهارِ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ القاهِرَةِ ورَأى القَوْمَ مُصِرِّينَ عَلى الجُحُودِ والعِنادِ والإنْكارِ، أخَذَ يَدْعُو عَلَيْهِمْ، ومِن حَقِّ مَن يَدْعُو عَلى الغَيْرِ أنْ يَذْكُرَ أوَّلًا سَبَبَ إقْدامِهِ عَلى تِلْكَ الجَرائِمِ، وكانَ جُرْمُهم هو أنَّهم لِأجْلِ حُبِّهِمُ الدُّنْيا تَرَكُوا الدِّينَ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا﴾ والزِّينَةُ عِبارَةٌ عَنِ الصِّحَّةِ والجَمالِ واللِّباسِ والدَّوابِّ، وأثاثِ البَيْتِ والمالِ، وما يَزِيدُ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ مِنَ الصّامِتِ والنّاطِقِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ ”لِيُضِلُّوا“ بِضَمِّ الياءِ وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ.
صفحة ١٢٠