< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah010
Yunus (10)
Jonas, makkah, 109 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
”ما“ هَهُنا مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، وهي مُرْتَفِعَةٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُها السِّحْرُ، قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ: (السِّحْرُ) بِالألِفِ واللّامِ، لِأنَّهُ جَوابُ كَلامٍ سَبَقَ، ألا تَرى أنَّهم قالُوا: لَمّا جاءَهم مُوسى هَذا سِحْرٌ، فَقالَ لَهم مُوسى: بَلْ ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ، فَوَجَبَ دُخُولُ الألِفِ واللّامِ، لِأنَّ النَّكِرَةَ إذا عادَتْ عادَتْ مَعْرِفَةً، يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: لَقِيِتُ رَجُلًا فَيَقُولُ لَهُ: مَنِ الرَّجُلُ ؟ فَيُعِيدُهُ بِالألِفِ واللّامِ، ولَوْ قالَ لَهُ: مَن رَجُلٌ ؟ لَمْ يَقَعْ في فَهْمِهِ أنَّهُ سَألَهُ عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَهُ لَهُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”آلسِّحْرُ“ بِالِاسْتِفْهامِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ ”ما“ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، وجِئْتُمْ بِهِ في مَوْضِعِ الخَبَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ جِئْتُمْ بِهِ ؟ ثُمَّ قالَ عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ: (السِّحْرُ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي﴾[المائدة: ١١٦] والسِّحْرُ بَدَلٌ مِنَ المُبْتَدَأِ، ولَزِمَ أنْ يَلْحَقَهُ الِاسْتِفْهامُ لِيُساوِيَ المُبْدَلَ مِنهُ في أنَّهُ اسْتِفْهامٌ، كَما تَقُولُ كَمْ مالُكَ، أعِشْرُونَ أمْ ثَلاثُونَ ؟ فَجَعَلْتَ أعِشْرُونَ بَدَلًا مِن كَمْ، ولا يَلْزَمُ أنْ يُضْمَرَ لِلسِّحْرِ خَبَرٌ؛ لِأنَّكَ إذا أبْدَلْتَهُ مِنَ المُبْتَدَأِ صارَ في مَوْضِعِهِ، وصارَ ما كانَ خَبَرًا عَنِ المُبْدَلِ مِنهُ خَبَرًا عَنْهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ أيْ سَيُهْلِكُهُ ويُظْهِرُ فَضِيحَةَ صاحِبِهِ، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ لا يُقَوِّيهِ ولا يُكْمِلُهُ.* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ﴾ ومَعْنى إحْقاقِ الحَقِّ إظْهارُهُ وتَقْوِيَتُهُ.وقَوْلُهُ: (بِكَلِماتِهِ) أيْ بِوَعْدِهِ مُوسى، وقِيلَ بِما سَبَقَ مِن قَضائِهِ وقَدَرِهِ. وفي كَلِماتِ اللَّهِ أبْحاثٌ غامِضَةٌ عَمِيقَةٌ عالِيَةٌ، وقَدْ ذَكَرْناها في بَعْضِ مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهم وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ فِيما تَقَدَّمَ ما كانَ مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ وما ظَهَرَ مِن تَلَقُّفِ العَصا لِكُلِّ ما أحْضَرُوهُ مِن آلاتِ السِّحْرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم مَعَ مُشاهَدَةِ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ ما آمَنَ بِهِ مِنهم إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ، وإنَّما ذَكَرَ تَعالى ذَلِكَ تَسْلِيَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّهُ كانَ يَغْتَمُّ بِسَبَبِ إعْراضِ القَوْمِ عَنْهُ
صفحة ١١٦
واسْتِمْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، فَبَيَّنَ أنَّ لَهُ في هَذا البابِ بِسائِرِ الأنْبِياءِ أُسْوَةً؛ لِأنَّ الَّذِي ظَهَرَ مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ في الإعْجازِ في مَرْأى العَيْنِ أعْظَمَ، ومَعَ ذَلِكَ فَما آمَنَ بِهِ مِنهم إلّا ذُرِّيَّةٌ.واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالذُّرِّيَّةِ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الذُّرِّيَّةَ هَهُنا مَعْناها تَقْلِيلُ العَدَدِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَفْظُ الذُّرِّيَّةِ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ القَوْمِ عَلى وجْهِ التَّحْقِيرِ والتَّصْغِيرِ، ولا سَبِيلَ إلى حَمْلِهِ عَلى التَّقْدِيرِ عَلى وجْهِ الإهانَةِ في هَذا المَوْضِعِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى التَّصْغِيرِ بِمَعْنى قِلَّةِ العَدَدِ.
الثّانِي: قالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ أوْلادُ مَن دَعاهم؛ لِأنَّ الآباءَ اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ؛ إمّا لِأنَّ قُلُوبَ الأوْلادِ ألْيَنُ أوْ دَواعِيهِمْ عَلى الثَّباتِ عَلى الكُفْرِ أخَفُّ.
الثّالِثُ: أنَّ الذُّرِّيَّةَ قَوْمٌ كانَ آباؤُهم مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ وأُمَّهاتُهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
الرّابِعُ: الذُّرِّيَّةُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ آسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ وخازِنُهُ وامْرَأةُ خازِنِهِ وماشِطَتُها.
وأمّا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَوْمِهِ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا أنَّ المُرادَ مِن قَوْمِ مُوسى أوْ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّ ذِكْرَهُما جَمِيعًا قَدْ تَقَدَّمَ والأظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ إلى مُوسى؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ المَذْكُورِينَ، ولِأنَّهُ نُقِلَ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ كانُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ