< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


رسالة أو نبوة، فقد خرج عن أهل الملة، وانحرف عن أهل القبلة، وهذه البذة كفاية إن شاء الله تعالى.]] ، وسبيله الكناية كما سبق، وكل ذى لب وراجع إلى بصيرة وذهن لا يغبى عليه أن الرجل لا يمدح بغير فعله، وحمل الآية على ظاهرها يؤدّى إلى أن يثنى عليهم بفعل الله، وقد نفى الله هذا عن الذين أنزل فيهم وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فإن قلت: فإنّ العرب تمدح بالجمال وحسن الوجوه، وذلك فعل الله، وهو مدح مقبول عند الناس غير مردود. قلت: الذي سوّغ ذلك لهم أنهم رأوا حسن الرواء [[قوله «حسن الرواء» في الصحاح: الرواء- بالضم-: المنظر. (ع)]] وو سامة المنظر في الغالب، يسفر عن مخبر مرضى وأخلاق محمودة ومن ثم قالوا: أحسن ما في الدميم وجهه [[قوله «ما في الدميم وجهه» في الصحاح «الدميم» : القبيح. (ع)]] ، فلم يجعلوه من صفات المدح لذاته، ولكن لدلالته على غيره. على أن من محققة الثقات وعلماء المعاني من دفع صحة ذلك وخطأ المادح به، وقصر المدح على النعت بأمّهات الخير: وهي الفصاحة والشجاعة والعدل والعفة، وما يتشعب منها ويرجع إليها، وجعل الوصف بالجمال والثروة وكثرة الحفدة والأعضاد وغير ذلك مما ليس للإنسان فيه عمل غلطا ومخالفة عن المعقول والْكُفْرَ تغطية نعم الله تعالى وغمطها بالجحود.

والْفُسُوقَ الخروج عن قصد الإيمان ومحجته بركوب الكبائر وَالْعِصْيانَ ترك الانقياد والمضي لما أمر به الشارع. والعرق العاصي: العانذ [[قوله «والعرق العاصي: العانذ» في الصحاح: عنذ العرق: سال ولم يرقأ، فهو عرق عانذ. (ع)]] . واعتصت النواة: اشتدّت. والرشد:

الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه من الرشادة وهي الصخرة: قال أبو الوازع: كل صخرة رشادة. وأنشد:

وغير مقلّد وموشّمات ... صلين الضّوء من صمّ الرّشاد [[الظاهر أن الشاعر يصف الديار بأنها لم يبق فيها غير وتد الخباء المقلد بالحبل، وغير الأثافى المغير لونها بالنار. والوشم والتوشيم: تغيير اللون، أى: التي احترقت بضوءها أى حرها. ومن صم الرشاد: بيان لها.

والصم: جمع صماء، أى: صلبة. والرشاد الصخر. واحدة رشادة. وقيل: يصف مطايا بأنها مطبوعة على العمل غير محتاجة الزمام، وأنها غيرها أثر السير قوية، بحيث يظهر الشرر من شدة وقع خفافها على الصخر الصلب.]]

وفَضْلًا مفعول له، أو مصدر من غير فعله [[أعرب الزمخشري فضلا في الآية مفعولا لأجله، منصبا عن قوله: الراشدون ... الخ. قال أحمد: أورد الاشكال بعد تقرير أن الرشد ليس من فعل الله تعالى، وإنما هو فعلهم حقيقة على ما هو معتقده، ونحن بنينا على ما بينا: أن الرشد من أفعال الله ومخلوقاته، فقد وجد شرط انتصاب المفعول له، وهو اتحاد فاعل الفعلين، على أن الاشكال وارد نصا على تقريرنا على غير الحد الذي أورده عليه الزمخشري، بل من جهة أن الله تعالى خاطب خلقه بلغتهم المعهودة عندهم. ومما يعهدونه أن الفاعل من نسب إليه الفعل، وسواء كان ذلك حقيقة أو مجازا حتى يكون زبد فاعلا وانقض الحائط وأشباهه كذلك. وقد نسب الرشد إليهم على طريقة أنهم الفاعلون وإن كانت النسبة مجازية باعتبار المعتقد، وإذا تقرر وروده على هذا الوجه فلك في الجواب عنه طريقان: إما جواب الزمخشري، وإما أمكن منه وأبين: وهو أن الرشد هنا يستلزم كونه راشدا، إذ هو مطاوعه، لأن الله تعالى أرشدهم فرشدوا.

وحينئذ يتحد الفاعل على طريقة الصناعة المطابقة للحقيقة وهو عكس قوله يُرِيكُمُ