< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


سبيل المكنية، فأثبت له الحياض تخييلا، وشبهه بالنار كذلك، فأثبت له الصلى وهو اقتحام النار، ولا مانع من تشبيه الشيء بأمرين مختفين مع الرمز لكل منهما بما يلائمه، ويجوز استعارة الحياض للمعرفة تصريحا، والذي تمنيته من الحرب المؤدى إلى الشهادة فقد لقيته، إن تفعلي كفعل زيد وجعفر، هديت إلى طريق الخير.]] قلت: ما هو إلا كلام من جنس كلامه الذي كان يرمى به على السليقة، من غير صنعة ولا تكلف، إلا أنه اتفق ذلك من غير قصد إلى ذلك ولا التفات منه إليه إن جاء موزونا، كما يتفق في كثير من إنشاءات الناس في خطبهم ورسائلهم ومحاوراتهم أشياء موزونة لا يسميها أحد شعرا ولا يخطر ببال المتكلم ولا السامع أنها شعر، وإذا فتشت في كل كلام عن نحو ذلك وجدت الواقع في أوزان البحور غير عزيز، على أن الخليل ما كان يعدّ المشطور من الرجز شعرا، ولما نفى أن يكون القرآن من جنس الشعر قال إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ يعنى: ما هو إلا ذكر من الله تعالى يوعظ به الإنس والجنّ، كما قال إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ وما هو إلا قرآن كتاب سماوي، يقرأ في المحاريب، ويتلى في المتعبدات، وينال بتلاوته والعمل بما فيه فوز الدارين، فكم بينه وبين الشعر الذي هو من همزات الشياطين؟ لِيُنْذِرَ القرآن أو الرسول وقرئ: لتنذر، بالتاء. ولينذر: من نذر به إذا علمه مَنْ كانَ حَيًّا أى عاقلا متأملا، لأن الغافل كالميت. أو معلوما منه أنه يؤمن فيحيا بالإيمان وَيَحِقَّ الْقَوْلُ وتجب كلمة العذاب عَلَى الْكافِرِينَ الذين لا يتأمّلون ولا يتوقع منهم الإيمان.

مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا مما تولينا نحن إحداثه ولم يقدر على توليه غيرنا، وإنما قال ذلك لبائع الفطرة والحكمة فيها، التي لا يصح أن يقدر عليها إلا هو. وعمل الأيدى: استعارة من عمل من يعملون بالأيدى فَهُمْ لَها مالِكُونَ أى خلقناها لأجلهم فملكناها إياهم، فهم متصرفون فيها تصرف الملاك، مختصون بالانتفاع فيها لا يزاحمون. أو فهم لها ضابطون قاهرون، من قوله: أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا [[أصبح متى الشباب مبتكرا ... إن ينأ عنى فقد ثوى عصرا

فارقنا قبل أن نفارقه ... لما قضى من جماعنا وطرا

أصبحت لا أملك السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا

والذئب أخشاه إن مررت به ... وحدي وأخشى الرياح والمطرا

للربيع بن منيع، قاله حين بلغ مائة وأربعين عاما، عاش بعده مائة وستين. والمبتكر: المسافر أول النهار، فهو تشبيه بليغ، ثم تسلى بقوله: إن ينأ، أى بعد عنى فقد أقام عندي أزمنة طويلة فارقنا، أى: ذهب عنا قبل أن نموت، فقوله «نفارقه» مجاز عن ذلك، أو كناية عنه، أو مجاز عن البغض، والجماع: معناه الاجتماع والمصاحبة، والوطر: الحاجة، وهذا كله ترشيح للتشبيه أول الكلام، ولا يخفى ما في البيت من إبهام ما كان ينبغي الاحتراس منه، فان قضاء الوطر من الجماع اشتهر استعماله في مقام الوطء، ثم قال: صرت لا أضبط السلاح بيدي ولا رأس البعير إن ندمنى ولا أقدر عليهما. ويروى: لا أحمل السلاح، أى: لا أقدر على حمله، وأخشاه: أى أخافه، إن مررت به وحدي وأخاف الرياح والمطر ولو مع غيرى، وكل هذا كناية عن بلوغه غاية الضعف والهرم.]]

أى لا أضبطه، وهو من جملة النعم الظاهرة، وإلا فمن كان يقدر عليها لولا تذليله