< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


وَنَحْيَا وَهُمْ لَا يُقِرُّونَ بِالْبَعْثِ؟ فَفِي هَذَا أَجْوِبَةٌ، مِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: نَكُونُ مَوَاتًا، أَيْ نُطَفًا ثُمَّ نَحْيَا فِي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، أَيْ إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَحْيَا فِيهَا ونموت، كما قال:" وَاسْجُدِي وَارْكَعِي [[راجع ج ٤ ص ٨٤ فما بعد.]] " [آل عمران: ٤٣]. وَقِيلَ: "نَمُوتُ" يَعْنِي الْآبَاءَ، "وَنَحْيا" يَعْنِي الْأَوْلَادَ.

(وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) أي بعد الموت.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ﴾ يعنون الرسول. إلا رجل (افْتَرى) أَيِ اخْتَلَقَ.

(عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ. قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ) تَقَدَّمَ.

(قالَ عَمَّا قَلِيلٍ) ٤٠ أَيْ عَنْ قَلِيلٍ، وَ "مَا" زَائِدَةٌ مُؤَكَّدَةٌ.

(لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ) ٤٠ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَاللَّامُ لَامُ الْقَسَمِ، أَيْ وَاللَّهِ لَيُصْبِحُنَّ.

(فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ) فِي التَّفَاسِيرِ: صَاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَيْحَةً وَاحِدَةً مَعَ الرِّيحِ الَّتِي أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا فَمَاتُوا عَنْ آخِرِهِمْ.

(فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً) أَيْ هَلْكَى هَامِدِينَ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَهُوَ مَا يَحْمِلُهُ مِنْ بَالِي الشَّجَرِ مِنَ الْحَشِيشِ وَالْقَصَبِ مِمَّا يَبِسَ وَتَفَتَّتَ.

(فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أَيْ هَلَاكًا لَهُمْ. وَقِيلَ بُعْدًا لَهُمْ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ. وَمِثْلُهُ سَقْيًا له ورعيا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أَيْ مِنْ بَعْدِ هَلَاكِ هَؤُلَاءِ.

(قُرُوناً) أَيْ أُمَمًا.

(آخَرِينَ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ: فَكَذَّبُوا أَنْبِيَاءَهُمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ. "(مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها) " مِنْ "صِلَةٌ، أَيْ مَا تَسْبِقُ أُمَّةٌ الْوَقْتَ الْمُؤَقَّتَ لَهَا وَلَا تَتَأَخَّرُهُ، مِثْلُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [[راجع ج ٧ ص ٢٠١.]] " [الأعراف: ٣٤]. ومعنى (تَتْرا) تَتَوَاتَرُ، وَيَتَّبِعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا تَرْغِيبًا وَتَرْهِيبًا. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: وَاتَرْتُ كُتُبِي عَلَيْهِ أَتْبَعْتُ بَعْضَهَا بَعْضًا، إلا أن بين كل كُلِّ وَاحِدٍ وَبَيْنَ الْآخَرِ مُهْلَةٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُوَاتَرَةُ التَّتَابُعُ بِغَيْرِ مُهْلَةٍ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو: "تَتْرًى" بِالتَّنْوِينِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ أُدْخِلَ فِيهِ التَّنْوِينُ عَلَى فَتْحِ الرَّاءِ، كَقَوْلِكَ: حَمْدًا وَشُكْرًا، فَالْوَقْفُ عَلَى هَذَا عَلَى الْأَلِفِ الْمُعَوَّضَةِ مِنَ التَّنْوِينِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُلْحَقًا بِجَعْفَرٍ، فَيَكُونُ مِثْلَ أَرْطَى وَعَلْقَى، كَمَا قَالَ:

يَسْتَنُّ فِي عَلْقًى وَفِي مُكُورِ

فَإِذَا وَقَفَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ جَازَتِ الْإِمَالَةُ، عَلَى أَنْ يَنْوِيَ الْوَقْفَ عَلَى الْأَلِفِ الْمُلْحَقَةِ. وَقَرَأَ وَرْشٌ بَيْنَ اللَّفْظَتَيْنِ، مِثْلُ سَكْرَى وَغَضْبَى، وَهُوَ اسْمُ جَمْعٍ، مِثْلُ شَتَّى وَأَسْرَى. وَأَصْلُهُ وَتْرَى مِنَ الْمُوَاتَرَةِ وَالتَّوَاتُرِ، فَقُلِبَتِ الْوَاوُ تَاءً، مِثْلُ التَّقْوَى والتكلان وتجاه ونحوها. وقيل: هو [من [[من ب وط وك.]]] الْوَتْرُ وَهُوَ الْفَرْدُ، فَالْمَعْنَى أَرْسَلْنَاهُمْ فَرْدًا فَرْدًا. النَّحَّاسُ: وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ "تِتْرَا" بِكَسْرِ التَّاءِ الْأُولَى، وَمَوْضِعُهَا نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، لِأَنَّ مَعْنَى "ثُمَّ أَرْسَلْنا" وَاتَرْنَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْ مُتَوَاتِرِينَ.

(فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً) أَيْ بِالْهَلَاكِ.

(وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ) جَمْعُ أُحْدُوثَةٍ وَهِيَ مَا يُتَحَدَّثُ بِهِ، كَأَعَاجِيبَ جَمْعُ أُعْجُوبَةٍ، وَهِيَ مَا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ. قَالَ الْأَخْفَشُ: إِنَّمَا يُقَالُ هَذَا فِي الشَّرِّ "جَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ" وَلَا يُقَالُ فِي الْخَيْرِ، كَمَا يُقَالُ: صَارَ فُلَانٌ حَدِيثًا أَيْ عِبْرَةً وَمَثَلًا، كَمَا قَالَ فِي آيَةٍ أخرى:" فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ [[راجع ج ١٤ ص ٢٩٠.]] " [سبأ: ١٩]. قُلْتُ: وَقَدْ يُقَالُ فُلَانٌ حَدِيثٌ حَسَنٌ، إِذَا كَانَ مُقَيَّدًا بِذِكْرِ ذَلِكَ، وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ دُرَيْدٍ:

وَإِنَّمَا الْمَرْءُ حَدِيثٌ بَعْدَهُ ... فَكُنْ حَدِيثًا حسنا لمن وعى

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾تَقَدَّمَ [[راجع ج ٩ ص ٩٣.]]. وَمَعْنَى (عالِينَ) مُتَكَبِّرِينَ قَاهِرِينَ لِغَيْرِهِمْ بِالظُّلْمِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:" إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ [[راجع