< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah015
Al-Hijr (15)
The Rock, makkah, 99 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
يَكُونَ سُمِعَ مُتَعَدِّيًا فِي الْبَصَرِ. وَمَنْ قَرَأَ "سَكِرَتْ" فَإِنَّهُ شَبَّهَ مَا عَرَضَ لِأَبْصَارِهِمْ بِحَالِ السَّكْرَانِ، كَأَنَّهَا جَرَتْ مَجْرَى السَّكْرَانِ لِعَدَمِ تَحْصِيلِهِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ بِالتَّخْفِيفِ [مِنْ] سُكْرِ الشَّرَابِ، وَبِالتَّشْدِيدِ أُخِذَتْ، ذَكَرَهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: وَالْمَعْرُوفُ مِنْ قِرَاءَةِ مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ "سُكِرَتْ" بِالتَّخْفِيفِ. قَالَ الْحَسَنُ: أَيْ سُحِرَتْ. وَحَكَى أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّهُ يُقَالُ: سُكِّرَتْ أَبْصَارُهُمْ إِذَا غَشِيَهَا سَمَادِيرُ [[السمادير: ضعف البصر. وقيل: هو الذي يتراءى للإنسان من ضعف بصره عند السكر من الشراب.]] حَتَّى لَا يُبْصِرُوا. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مَنْ قَرَأَ "سُكِرَتْ" أَخَذَهُ مِنْ سُكُورِ الرِّيحِ [[سكونها بعد الهبوب.]]. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ مُتَقَارِبَةٌ. وَالْأَصْلُ فِيهَا مَا قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: هُوَ مِنَ السُّكْرِ فِي الشَّرَابِ. وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ، أَيْ غَشِيَهُمْ مَا غَطَّى أَبْصَارَهُمْ كَمَا غَشِيَ السَّكْرَانَ مَا غَطَّى عَقْلَهُ. وَسُكُورُ الرِّيحِ سُكُونُهَا وَفُتُورُهَا، فَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى التحيير.
لَمَّا ذَكَرَ كُفْرَ الْكَافِرِينَ وَعَجْزَ أَصْنَامِهِمْ ذَكَرَ كَمَالَ قُدْرَتِهِ لِيَسْتَدِلَّ بِهَا عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ. وَالْبُرُوجُ: الْقُصُورُ وَالْمَنَازِلُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، أَيْ مَنَازِلَهُمَا. وَأَسْمَاءُ هَذِهِ الْبُرُوجِ: الْحَمَلُ، وَالثَّوْرُ، وَالْجَوْزَاءُ، وَالسَّرَطَانُ، وَالْأَسَدُ، وَالسُّنْبُلَةُ، وَالْمِيزَانُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْقَوْسُ، وَالْجَدْيُ، وَالدَّلْوُ، وَالْحُوتُ. وَالْعَرَبُ تَعُدُّ الْمَعْرِفَةَ لِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَأَبْوَابِهَا مِنْ أَجَلِّ الْعُلُومِ، وَيَسْتَدِلُّونَ بِهَا عَلَى الطُّرُقَاتِ وَالْأَوْقَاتِ وَالْخِصْبِ وَالْجَدْبِ. وَقَالُوا: الْفَلَكُ اثْنَا عَشَرَ بُرْجًا، كُلُّ بُرْجٍ مِيلَانِ وَنِصْفٌ. وَأَصْلُ الْبُرُوجِ الظُّهُورُ، وَمِنْهُ تَبَرُّجُ الْمَرْأَةِ بِإِظْهَارِ زِينَتِهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي النِّسَاءِ [[راجع ج ٥ ص ٢٨٤.]]. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: الْبُرُوجُ النُّجُومُ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِظُهُورِهَا وَارْتِفَاعِهَا. وقيل: الكواكب العظام، قال أبو صالح، يَعْنِي السَّبْعَةَ السَّيَّارَةَ [[وهي- حسب ترتيبها التصاعدى-: القمر، عطارد: الزهرة، الشمس، المريخ، المشترى، زحل.]]. وَقَالَ قَوْمٌ: "بُرُوجاً"، أَيْ قُصُورًا وَبُيُوتًا فِيهَا الْحَرَسُ، خَلَقَهَا اللَّهُ فِي السَّمَاءِ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَزَيَّنَّاها) يَعْنِي السَّمَاءَ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ الْمُلْكِ:" وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ [[راجع ج ١٨ ص ٢١٠.]] ". "لِلنَّاظِرِينَ" للمعتبرين والمتفكرين.
وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (١٧) أَيْ مَرْجُومٍ. وَالرَّجْمُ الرَّمْيُ بِالْحِجَارَةِ. وَقِيلَ: الرَّجْمُ اللَّعْنُ وَالطَّرْدُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ٩ ص ٩١.]]. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: كُلُّ رَجِيمٍ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ بِمَعْنَى الشَّتْمِ. وَزَعَمَ الْكَلْبِيُّ أَنَّ السموات كُلَّهَا لَمْ تُحْفَظْ مِنَ الشَّيَاطِينِ إِلَى زَمَنِ عِيسَى، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى عِيسَى حَفِظَ منها ثلاث سموات إِلَى مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَحَفِظَ جَمِيعهَا بَعْدَ بَعْثِهِ وَحُرِسَتْ مِنْهُمْ بِالشُّهُبِ. وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (وَقَدْ كَانَتِ الشَّيَاطِينُ لَا يُحْجَبُونَ عَنِ السَّمَاءِ، فَكَانُوا يَدْخُلُونَهَا وَيُلْقُونَ أَخْبَارَهَا عَلَى الْكَهَنَةِ، فَيَزِيدُونَ عَلَيْهَا تِسْعًا فَيُحَدِّثُونَ بِهَا أَهْلَ الْأَرْضِ، الْكَلِمَةُ حَقٌّ وَالتِّسْعُ بَاطِلٌ، فَإِذَا رَأَوْا شَيْئًا مِمَّا قَالُوهُ صَدَّقُوهُمْ فِيمَا جَاءُوا به، فلما ولد عيسى بن مريم عليهما السلام منعوا من ثلاث سموات، فَلَمَّا وُلِدَ مُحَمَّدٌ ﷺ مُنِعُوا مِنَ السموات كُلِّهَا، فَمَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ يُرِيدُ اسْتِرَاقَ السَّمْعِ إِلَّا رُمِيَ بِشِهَابٍ، عَلَى مَا يَأْتِي [[راجع ج ١٥ ص ٦٤، ج ١٩ ص ١٠.]].
إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ (١٨) أَيْ لَكِنْ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، أَيِ الْخَطْفَةَ الْيَسِيرَةَ، فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ. وَقِيلَ، هُوَ مُتَّصِلٌ، أي إلا ممن استرق السمع أَيْ حَفِظْنَا السَّمَاءَ مِنَ الشَّيَاطِينِ أَنْ تَسْمَعَ شَيْئًا مِنَ الْوَحْيِ، وَغَيْرِهِ، إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَإِنَّا لَمْ نَحْفَظْهَا مِنْهُ أَنْ تَسْمَعَ الْخَبَرَ مِنْ أَخْبَارِ السَّمَاءِ سِوَى الْوَحْيِ، فَأَمَّا الْوَحْيُ فَلَا تَسْمَعُ مِنْهُ شَيْئًا، لِقَوْلِهِ: "إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ" [[راجع ج ١٣