< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah015
Al-Hijr (15)
The Rock, makkah, 99 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
الشِّيَعَ الْفِرَقُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً [[راجع ج ٧ ص ٩.]] ". وَأَصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّيَاعِ وَهُوَ الْحَطَبُ الصِّغَارُ يُوقَدُ بِهِ الْكِبَارُ- كَمَا تَقَدَّمَ فِي "الْأَنْعَامِ".- وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: إن الشيع هنا القرى.
تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أَيْ كَمَا فَعَلَ بِكَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ فَكَذَلِكَ فُعِلَ بمن قبلك من الرسل.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَذلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ أَيِ الضَّلَالَ وَالْكُفْرَ وَالِاسْتِهْزَاءَ وَالشِّرْكَ. "فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ" مِنْ قَوْمِكَ، عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمَا أَيْ كَمَا سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ شِيَعِ الْأَوَّلِينَ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ مُشْرِكِي قَوْمِكَ حَتَّى لَا يُؤْمِنُوا بِكَ، كَمَا لَمْ يُؤْمِنْ مَنْ قَبْلَهُمْ بِرُسُلِهِمْ. وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: نَسْلُكُ التَّكْذِيبَ. وَالسَّلْكُ: إِدْخَالُ الشَّيْءِ فِي الشَّيْءِ كَإِدْخَالِ الْخَيْطِ فِي الْمِخْيَطِ. يُقَالُ: سَلَكَهُ يَسْلُكُهُ سَلْكًا وسلوكا، أسلكه إِسْلَاكًا. وَسَلَكَ الطَّرِيقَ سُلُوكًا وَسَلْكًا وَأَسْلَكَهُ دَخَلَهُ، وَالشَّيْءُ فِي غَيْرِهِ مِثْلَهُ، وَالشَّيْءُ كَذَلِكَ وَالرُّمْحُ، وَالْخَيْطُ فِي الْجَوْهَرِ، كُلُّهُ فَعَلَ وَأَفْعَلَ. وَقَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ:
وَقَدْ سَلَكُوكَ فِي يَوْمٍ عَصِيبٍ [[هذا عجز البيت، كما في السان وشعراء النصرانية:
وكنت خصمك لم أعرد]]
وَالسِّلْكُ (بِالْكَسْرِ) الْخَيْطُ. وَفِي الْآيَةِ رَدٌّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى نَسْلُكُ الْقُرْآنَ فِي قُلُوبِهِمْ فَيُكَذِّبُونَ بِهِ. وَقَالَ [[في الأصول: "وقرا".]] الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ الْقَوْلُ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ، وَهُوَ أَلْزَمُ حُجَّةً عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ. وَعَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا: نَسْلُكُ الذِّكْرَ إِلْزَامًا لِلْحُجَّةِ، ذَكَرَهُ الْغَزْنَوِيُّ.
(وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ) أَيْ مَضَتْ سُنَّةُ اللَّهِ بِإِهْلَاكِ الْكُفَّارِ، فَمَا أَقْرَبَ هَؤُلَاءِ مِنَ الْهَلَاكِ. وَقِيلَ: "خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ" بِمِثْلِ مَا فَعَلَ هَؤُلَاءِ مِنَ التَّكْذِيبِ وَالْكُفْرِ، فَهُمْ يَقْتَدُونَ بأولئك.
يُقَالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كَذَا، أَيْ يَفْعَلُهُ بِالنَّهَارِ. وَالْمَصْدَرُ الظُّلُولُ أَيْ لَوْ أُجِيبُوا إِلَى مَا اقْتَرَحُوا مِنَ الْآيَاتِ لَأَصَرُّوا عَلَى الْكُفْرِ وَتَعَلَّلُوا بِالْخَيَالَاتِ، كَمَا قَالُوا لِلْقُرْآنِ الْمُعْجِزِ: إِنَّهُ سِحْرٌ. "يَعْرُجُونَ" مِنْ عَرَجَ يَعْرُجُ أَيْ صَعِدَ. وَالْمَعَارِجُ الْمَصَاعِدُ أَيْ لَوْ صَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ وَشَاهَدُوا الْمَلَكُوتَ وَالْمَلَائِكَةَ لَأَصَرُّوا عَلَى الْكُفْرِ، عَنِ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ: الضَّمِيرُ فِي "عَلَيْهِمْ" لِلْمُشْرِكِينَ. وَفِي "فَظَلُّوا" لِلْمَلَائِكَةِ، تَذْهَبُ وَتَجِيءُ أَيْ لَوْ كُشِفَ لِهَؤُلَاءِ حَتَّى يُعَايِنُوا أَبْوَابًا فِي السَّمَاءِ تَصْعَدُ فِيهَا الْمَلَائِكَةُ وَتَنْزِلُ لَقَالُوا: رَأَيْنَا بِأَبْصَارِنَا مَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ، عَنِ ابن عباس وقتادة. ومعنى (سُكِّرَتْ) سُدَّتْ بِالسِّحْرِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: سُحِرَتْ. الْكَلْبِيُّ: أُغْشِيَتْ أَبْصَارُنَا، وَعَنْهُ أَيْضًا عَمِيَتْ. قَتَادَةُ: أُخِذَتْ. وَقَالَ الْمُؤَرِّجُ: دِيرَ بِنَا، مِنَ الدَّوَرَانِ، أَيْ صَارَتْ أَبْصَارُنَا سَكْرَى. جُوَيْبِرٌ: خُدِعَتْ. وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: "سُكِّرَتْ" غُشِّيَتْ وَغُطِّيَتْ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
وَطَلَعَتْ شَمْسٌ عَلَيْهَا مِغْفَرُ ... وَجَعَلَتْ عَيْنُ الْحَرُورِ تَسْكَرُ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "سُكِّرَتْ" حُبِسَتْ. وَمِنْهُ قَوْلُ أَوْسِ بْنِ حَجَرٍ:
فَصِرْتُ [[في اللسان مادة سكر: "جذلت" بالجيم والذال المفتوحتين، ومعنى "جذل" انتصب وثبت لا يبرح. وليلة طلق: مشرق لا برد فيها ولا حر، ولا مطر ولا قر.]] عَلَى لَيْلَةٍ سَاهِرَةْ ... فَلَيْسَتْ بِطَلْقٍ وَلَا سَاكِرَةْ
قُلْتُ: وَهَذِهِ أَقْوَالٌ مُتَقَارِبَةٌ يَجْمَعُهَا قَوْلُكَ: مُنِعَتْ. قَالَ ابْنُ عُزَيْزٍ: "سُكِّرَتْ أَبْصارُنا" سُدَّتْ أَبْصَارُنَا، هُوَ مِنْ قَوْلِكَ، سَكَرْتُ النَّهْرَ إِذَا سَدَدْتَهُ. وَيُقَالُ: هُوَ مِنْ سُكْرِ الشَّرَابِ، كَأَنَّ الْعَيْنَ يَلْحَقُهَا مَا يَلْحَقُ الشَّارِبَ إِذَا سَكِرَ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ "سَكِرَتْ" بِالتَّخْفِيفِ. وَالْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: سُكِّرَتْ مُلِئَتْ [[عبارة أبن الاعرابي كما في نسخ الأصل: (سكرت ميلت، وسكرت ملكت) ولم نر ما يؤيد هذا، ولعله تكرير من النساخ مع تحريف.]]. قال المهدوي: والتخفيف والتشديد فِي "سُكِّرَتْ" ظَاهِرَانِ، التَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ وَالتَّخْفِيفُ يُؤَدِّي عَنْ مَعْنَاهُ. وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ "سَكِرَ" لَا يَتَعَدَّى. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أَنْ