< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


وَمَلَكَانِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ وَمِنْ خَلْفِكَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى "لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ" [وَمَلَكٌ قَابِضٌ عَلَى نَاصِيَتِكَ فَإِذَا تَوَاضَعْتَ لِلَّهِ رَفَعَكَ وَإِذَا تَجَبَّرْتَ عَلَى اللَّهِ قَصَمَكَ [[الزيادة من تفسير الطبري وغيره.]]] وَمَلَكَانِ عَلَى شَفَتَيْكَ وَلَيْسَ يَحْفَظَانِ عَلَيْكَ إِلَّا الصَّلَاةَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَمَلَكٌ قَائِمٌ عَلَى فِيكَ لَا يَدَعُ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَّةُ فِي فِيكَ وَمَلَكَانِ عَلَى عَيْنَيْكَ فَهَؤُلَاءِ عَشْرَةُ أَمْلَاكٍ عَلَى كُلِّ آدَمِيٍّ يَتَدَاوَلُونَ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ عَلَى مَلَائِكَةِ النَّهَارِ لأن ملائكة الليل ليسوا بملائكة لنهار فَهَؤُلَاءِ عِشْرُونَ مَلَكًا عَلَى كُلِّ آدَمِيٍّ وَإِبْلِيسُ مَعَ ابْنِ آدَمَ بِالنَّهَارِ وَوَلَدُهُ بِاللَّيْلِ". ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. قَالَ الْحَسَنُ: الْمُعَقِّبَاتُ أَرْبَعَةُ أَمْلَاكٍ يَجْتَمِعُونَ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ. وَاخْتِيَارُ الطَّبَرِيِّ: أَنَّ الْمُعَقِّبَاتِ الْمَوَاكِبُ بَيْنَ أَيْدِي الْأُمَرَاءِ وَخَلْفَهُمْ، وَالْهَاءُ فِي "لَهُ" لَهُنَّ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ الْعُلَمَاءُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ أَوَامِرَهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا- قَضَى حُلُولَهُ وَوُقُوعَهُ بِصَاحِبِهِ، فَذَلِكَ لَا يَدْفَعُهُ أَحَدٌ وَلَا يُغَيِّرُهُ. وَالْآخَرُ- قَضَى مَجِيئَهُ وَلَمْ يَقْضِ حُلُولَهُ وَوُقُوعَهُ، بَلْ قَضَى صَرْفَهُ بِالتَّوْبَةِ وَالدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ وَالْحِفْظِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يَقَعَ مِنْهُمْ تَغْيِيرٌ، إِمَّا مِنْهُمْ أَوْ مِنَ النَّاظِرِ لَهُمْ، أَوْ مِمَّنْ هُوَ مِنْهُمْ بِسَبَبٍ، كَمَا غَيَّرَ اللَّهُ بِالْمُنْهَزِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ بِسَبَبِ تَغْيِيرِ الرُّمَاةِ بِأَنْفُسِهِمْ، إِلَى غَيْرِ هَذَا مِنْ أَمْثِلَةِ الشَّرِيعَةِ، فَلَيْسَ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّهُ لَيْسَ يَنْزِلُ بِأَحَدٍ عُقُوبَةٌ إِلَّا بِأَنْ يَتَقَدَّمَ مِنْهُ ذَنْبٌ، بَلْ قَدْ تَنْزِلُ الْمَصَائِبُ بِذُنُوبِ الْغَيْرِ، كَمَا قَالَ ﷺ- وَقَدْ سُئِلَ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ- نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ" [[المراد بالخبث الفسق والفجور.]]. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً﴾ أَيْ هَلَاكًا وَعَذَابًا، (فَلا مَرَدَّ لَهُ) وَقِيلَ: إِذَا أَرَادَ بِهِمْ بَلَاءً مِنْ أَمْرَاضٍ وَأَسْقَامٍ فلا مرد لبلائه. وقيل: إذا أراد الله بقوم سوءا أعمى أَبْصَارَهُمْ حَتَّى يَخْتَارُوا مَا فِيهِ الْبَلَاءُ وَيَعْمَلُوهُ، فَيَمْشُونَ إِلَى هَلَاكِهِمْ بِأَقْدَامِهِمْ، حَتَّى يَبْحَثَ أَحَدُهُمْ عَنْ حَتْفِهِ بِكَفِّهِ، وَيَسْعَى بِقَدَمِهِ إِلَى إِرَاقَةِ دَمِهِ.

(وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ) أَيْ مَلْجَأٍ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلُ السُّدِّيِّ. وَقِيلَ: مِنْ نَاصِرٍ يَمْنَعُهُمْ مِنْ عَذَابِهِ، وَقَالَ الشَّاعِرُ:

مَا فِي السَّمَاءِ سِوَى الرَّحْمَنُ مِنْ وَالٍ

ووال وولي كقادر وقدير.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ أي بالمطر. "وَالسَّحابِ" جَمْعٌ، وَالْوَاحِدَةُ سَحَابَةٌ، وَسُحُبٌ وَسَحَائِبُ فِي الْجَمْعِ أَيْضًا.

(وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ) قَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" [[راجع ج ١ ص ٢١٦ فما بعد.]] الْقَوْلُ فِي الرَّعْدِ وَالْبَرْقِ وَالصَّوَاعِقِ فَلَا مَعْنَى لِلْإِعَادَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ بَيَانُ كَمَالِ قُدْرَتِهِ، وَأَنَّ تَأْخِيرَ الْعُقُوبَةِ لَيْسَ عَنْ عَجْزٍ، أَيْ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ فِي السَّمَاءِ خَوْفًا لِلْمُسَافِرِ، فَإِنَّهُ يَخَافُ أَذَاهُ لما ينال مِنَ الْمَطَرِ وَالْهَوْلِ وَالصَّوَاعِقِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَذىً مِنْ مَطَرٍ﴾[[راجع ج ٥ ص ٣٧٢.]] [النساء: ١٠٢] وَطَمَعًا لِلْحَاضِرِ أَنْ يَكُونَ عَقِبَهُ مَطَرٌ وَخِصْبٌ، قَالَ مَعْنَاهُ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: خَوْفًا مِنْ صَوَاعِقِ الْبَرْقِ، وَطَمَعًا فِي غَيْثِهِ الْمُزِيلِ لِلْقَحْطِ. "وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ" قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ بِالْمَاءِ. "وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ" مَنْ قَالَ إِنَّ الرَّعْدَ صَوْتُ السَّحَابِ فَيُجَوِّزُ أَنْ يُسَبِّحَ الرَّعْدُ بِدَلِيلِ خَلْقِ الْحَيَاةِ فِيهِ، وَدَلِيلُ صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُهُ: "وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ" فَلَوْ كَانَ الرَّعْدُ مَلَكًا لَدَخَلَ فِي جُمْلَةِ الْمَلَائِكَةِ. وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ مَلَكٌ قَالَ: مَعْنَى. "مِنْ خِيفَتِهِ" مِنْ خِيفَةِ اللَّهِ، قَالَهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ.