< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


ما يُرِيدُ، وإمّا بِحُكْمِ المَصْلَحَةِ، وإمّا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْراجِ والمَكْرِ، وقَدْ يُضَيِّقُ عَلى الصِّدِّيقِينَ لِأضْدادِ ما ذَكَرْنا، فَلا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أنْ يَظُنَّ أنَّ ذَلِكَ لِمُجازاةٍ.

وثالِثُها: أنَّ المُتَمِّمَ لا يَنْبَغِي أنْ يَغْفُلَ عَنِ العاقِبَةِ، فالأُمُورُ بِخَواتِيمِها، والفَقِيرُ والمُحْتاجُ لا يَنْبَغِي أنْ يَغْفُلَ عَمّا لِلَّهِ عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لا حَدَّ لَها مِن سَلامَةِ البَدَنِ والعَقْلِ والدِّينِ ودَفْعِ الآفاتِ والآلامِ الَّتِي لا حَدَّ لَها ولا حَصْرَ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَقْضِيَ عَلى نَفْسِهِ بِالإهانَةِ مُطْلَقًا.

ورابِعُها: أنَّ النَّفْسَ قَدْ ألِفَتْ هَذِهِ المَحْسُوساتِ، فَمَتى حَصَلَتْ هَذِهِ المُشْتَهَياتُ واللَّذّاتُ صَعُبَ عَلَيْها الِانْقِطاعُ عَنْها وعَدَمُ الِاسْتِغْراقِ فِيها، أمّا إذا لَمْ يَحْصُلْ لِلْإنْسانِ شَيْءٌ مِن هَذِهِ المَحْسُوساتِ رَجَعَتْ شاءَتْ أمْ أبَتْ إلى اللَّهِ، واشْتَغَلَتْ بِعُبُودِيَّةِ اللَّهِ، فَكانَ وِجْدانُ الدُّنْيا سَبَبًا لِلْحِرْمانِ مِنَ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ القَضاءُ بِالشَّقاوَةِ والإهانَةِ عِنْدَ عَدَمِ الدُّنْيا، مَعَ أنَّ ذَلِكَ أعْظَمُ الوَسائِلِ إلى أعْظَمِ السِّعاداتِ.

وخامِسُها: أنَّ كَثْرَةَ المُمارَسَةِ سَبَبٌ لِتَأكُّدِ المَحَبَّةِ، وتَأكُّدَ المَحَبَّةِ سَبَبٌ لِتَأكُّدِ الألَمِ عِنْدَ الفِراقِ، فَكُلُّ مَن كانَ

صفحة ١٥٥

وِجْدانُهُ الدُّنْيا أكْثَرَ وأدْوَمَ كانَتْ مَحَبَّتُهُ لَها أشَدَّ، فَكانَ تَألُّمُهُ بِمُفارَقَتِها عِنْدَ المَوْتِ أشَدَّ، والَّذِي بِالضِّدِّ فَبِالضِّدِّ، فَإذَنْ حُصُولُ لَذّاتِ الدُّنْيا سَبَبٌ لِلْألَمِ الشَّدِيدِ بَعْدَ المَوْتِ، وعَدَمُ حُصُولِها سَبَبٌ لِلسَّعادَةِ الشَّدِيدَةِ بَعْدَ المَوْتِ، فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّ وِجْدانَ الدُّنْيا سَعادَةٌ وفِقْدانَها شَقاوَةٌ ؟ .

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ إنَّما تَصِحُّ مَعَ القَوْلِ بِإثْباتِ البَعْثِ رُوحانِيًّا كانَ أوْ جُسْمانِيًّا، فَأمّا مَن يُنْكِرُ البَعْثَ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ فَلا يَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِهِ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ، بَلْ يَلْزَمُهُ القَطْعُ بِأنَّ وِجْدانَ الدُّنْيا هو السَّعادَةُ وفِقْدانَها هو الشَّقاوَةُ، ولَكِنَّ فِيهِ دَقِيقَةً أُخْرى وهي أنَّهُ رُبَّما كانَ وِجْدانُ الدُّنْيا الكَثِيرَةِ سَبَبًا لِلْقَتْلِ والنَّهْبِ والوُقُوعِ في أنْواعِ العَذابِ، فَرُبَّما كانَ الحِرْمانُ سَبَبًا لِبَقاءِ السَّلامَةِ، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَجُوزُ أيْضًا لِمُنْكِرِ البَعْثِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ أنْ يَقْضِيَ عَلى صاحِبِ الدُّنْيا بِالسَّعادَةِ وعَلى فاقِدِها بِالهَوانِ، فَرُبَّما يَنْكَشِفُ لَهُ أنَّ الحالَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالضِّدِّ. وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأمّا الإنْسانُ﴾ المُرادُ مِنهُ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ أوِ الجِنْسُ ؟

الجَوابُ: فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وأبُو حُذَيْفَةَ بْنُ المُغِيرَةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هو أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذا الوَصْفِ وهو الكافِرُ الجاحِدُ لِيَوْمِ الجَزاءِ.

السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ سَمّى بَسْطَ الرِّزْقِ وتَقْدِيرَهُ ابْتِلاءً ؟ الجَوابُ: لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما اخْتِبارٌ لِلْعَبْدِ، فَإذا بُسِطَ لَهُ فَقَدِ اخْتُبِرَ حالُهُ أيَشْكُرُ أمْ يَكْفُرُ، وإذا قُدِرَ عَلَيْهِ فَقَدِ اخْتُبِرَ حالُهُ أيَصْبِرُ أمْ يَجْزَعُ، فالحِكْمَةُ فِيهِما واحِدَةٌ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾[الأنبياء: ٣٥] .

السُّؤالُ الثّالِثُ: لَمّا قالَ: ﴿فَأكْرَمَهُ﴾ فَقَدْ صَحَّ أنَّهُ أكْرَمَهُ وأثْبَتَ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّي أكْرَمَنِ﴾ ذَمَّهُ عَلَيْهِ فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ والجَوابُ: لِأنَّ كَلِمَةَ الإنْكارِ هي قَوْلُهُ: (كَلّا) فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّها مُخْتَصَّةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّي أهانَنِ﴾ سَلَّمْنا أنَّ الإنْكارَ عائِدٌ إلَيْهِما مَعًا ولَكِنْ فِيهِ وُجُوهٌ ثَلاثَةٌ:

أحَدُها: أنَّهُ اعْتَقَدَ حُصُولَ الِاسْتِحْقاقِ في ذَلِكَ الإكْرامِ.

الثّانِي: أنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى كانَتْ حاصِلَةً قَبْلَ وِجْدانِ المالِ، وهي نِعْمَةُ سَلامَةِ البَدَنِ والعَقْلِ والدِّينِ، فَلَمّا لَمْ يَعْتَرِفْ بِالنِّعْمَةِ إلّا عِنْدَ وِجْدانِ المالِ، عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ غَرَضُهُ مِن ذَلِكَ شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ، بَلِ التَّصَلُّفُ بِالدُّنْيا والتَّكَثُّرُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ.

الثّالِثُ: أنَّ تَصَلُّفَهُ