< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >



حدد حجم خط الآيات
()


يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الذَّمِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى [ الإخْبارِ، أيْ: ] ”هُمُ الَّذِينَ طَغَوْا“ أوْ مَجْرُورًا عَلى وصْفِ المَذْكُورِينَ عادٍ وثَمُودَ وفِرْعَوْنَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿طَغَوْا في البِلادِ﴾ أيْ: عَمِلُوا المَعاصِيَ وتَجَبَّرُوا عَلى أنْبِياءِ اللَّهِ والمُؤْمِنِينَ ثُمَّ فَسَّرَ طُغْيانَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ﴾ ضِدَّ الصَّلاحِ، فَكَما أنَّ الصَّلاحَ يَتَناوَلُ جَمِيعَ أقْسامِ البِرِّ، فالفَسادُ يَتَناوَلُ جَمِيعَ أقْسامِ الإثْمِ، فَمَن عَمِلِ بِغَيْرِ أمْرِ اللَّهِ وحَكَمَ في عِبادِهِ بِالظُّلْمِ فَهو مُفْسِدٌ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ يُقالُ: صَبَّ عَلَيْهِ السَّوْطَ وغَشّاهُ وقَنَّعَهُ، وذِكْرُ السَّوْطِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما أحَلَّهُ بِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ العَظِيمِ بِالقِياسِ إلى ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ، كالسَّوْطِ إذا قِيسَ إلى سائِرِ ما يُعَذَّبُ بِهِ. قالَ القاضِي: وشَبَّهَهُ بِصَبِّ السَّوْطِ الَّذِي يَتَواتَرُ عَلى المَضْرُوبِ فَيُهْلِكُهُ، وكانَ الحَسَنُ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: إنَّ عِنْدَ اللَّهِ أسْواطًا كَثِيرَةً فَأخَذَهم بِسَوْطٍ مِنها، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾[النحل: ٦١] يَقْتَضِي تَأْخِيرَ العَذابِ إلى الآخِرَةِ فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ ؟ قُلْنا: هَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي تَأْخِيرَ تَمامِ الجَزاءِ إلى الآخِرَةِ، والواقِعُ في الدُّنْيا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ ومُقَدِّمَةٌ مِن مُقَدِّماتِهِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿كانَتْ مِرْصادًا﴾[النبإ: ٢١]

صفحة ١٥٤

ونَقُولُ: المِرْصادُ المَكانُ الَّذِي يَتَرَقَّبُ فِيهِ الرّاصِدُ ”مِفْعالٌ“ مِن ”رَصَدَهُ“ كالمِيقاتِ مِن وقَتَهُ، وهَذا مَثَلٌ لِإرْصادِهِ العُصاةَ بِالعِقابِ وأنَّهم لا يَفُوتُونَهُ، وعَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: أيْنَ رَبُّكَ ؟ فَقالَ: بِالمِرْصادِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: قالَ الحَسَنُ: يَرْصُدُ أعْمالَ بَنِي آدَمَ.

وثانِيها: قالَ الفَرّاءُ: إلَيْهِ المَصِيرُ، وهَذانَ الوَجْهانِ عامّانِ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ.

ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن يَخُصُّ هَذِهِ الآيَةَ إمّا بِوَعِيدِ الكُفّارِ، أوْ بِوَعِيدِ العُصاةِ؛ أمّا الأوَّلُ فَقالَ الزَّجّاجُ: يَرْصُدُ مَن كَفَرَ بِهِ وعَدَلَ عَنْ طاعَتِهِ بِالعَذابِ.

وأمّا الثّانِي فَقالَ الضَّحّاكُ: يَرْصُدُ لِأهْلِ الظُّلْمِ والمَعْصِيَةِ، وهَذِهِ الوُجُوهُ مُتَقارِبَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ﴾﴿وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿فَأمّا الإنْسانُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَبِالمِرْصادِ في الآخِرَةِ، فَلا يُرِيدُ إلّا السَّعْيَ لِلْآخِرَةِ، فَأمّا الإنْسانُ فَإنَّهُ لا يُهِمُّهُ إلّا الدُّنْيا ولَذّاتُها وشَهَواتُها، فَإنْ وجَدَ الرّاحَةَ في الدُّنْيا يَقُولُ: رَبِّي أكْرَمَنِي، وإنْ لَمْ يَجِدْ هَذِهِ الرّاحَةَ يَقُولُ: رَبِّي أهانَنِي، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في صِفَةِ الكُفّارِ: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾[الروم: ٧] وقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾[الحج: ١١] وهَذا خَطَأٌ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ سَعادَةَ الدُّنْيا وشَقاوَتَها في مُقابَلَةِ ما في الآخِرَةِ مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ كالقَطْرَةِ في البَحْرِ، فالمُتَنَعِّمُ في الدُّنْيا لَوْ كانَ شَقِيًّا في الآخِرَةِ فَذاكَ التَّنَعُّمُ لَيْسَ بِسَعادَةٍ، والمُتَألِّمُ المُحْتاجُ في الدُّنْيا لَوْ كانَ سَعِيدًا في الآخِرَةِ فَذاكَ لَيْسَ بِإهانَةٍ ولا شَقاوَةٍ، إذِ المُتَنَعِّمُ في الدُّنْيا لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَحْكُمَ عَلى نَفْسِهِ بِالسَّعادَةِ والكَرامَةِ، والمُتَألِّمُ في الدُّنْيا لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَحْكُمَ عَلى نَفْسِهِ بِالشَّقاوَةِ والهَوانِ.

وثانِيها: أنَّ حُصُولَ النِّعْمَةِ في الدُّنْيا وحُصُولَ الآلامِ في الدُّنْيا لا يَدُلُّ عَلى الِاسْتِحْقاقِ فَإنَّهُ تَعالى كَثِيرًا ما يُوَسِّعُ عَلى العُصاةِ والكَفَرَةِ، إمّا لِأنَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ