< السورة السابقة | فهرس السور | السورة التالية >
surah084
Al-Inshiqaaq (84)
The Splitting Open, makkah, 25 verses.
حدد حجم خط الآيات
()
إذا اتَّسَقَ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ كَمالِ القَمَرِ بَعْدَ أنْ كانَ ناقِصًا، فَإنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهَذِهِ الأحْوالِ المُتَغَيِّرَةِ عَلى تَغَيُّرِ أحْوالِ الخَلْقِ، وهَذا يَدُلُّ قَطْعًا عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالبَعْثِ، لِأنَّ القادِرَ عَلى تَغْيِيرِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ مِن حالٍ إلى حالٍ وصِفَةٍ إلى صِفَةٍ بِحَسَبِ المَصالِحِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ في نَفْسِهِ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ. ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ لا مَحالَةَ قادِرًا عَلى البَعْثِ والقِيامَةِ، فَلَمّا كانَ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ كالدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ القاطِعَةِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ لا جَرَمَ قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ الحَكِيمُ فِيمَن كانَ عاجِزًا عَنِ الإيمانِ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَلَمّا قالَ ذَلِكَ دَلَّ عَلى كَوْنِهِمْ قادِرِينَ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الِاسْتِطاعَةُ قَبْلَ الفِعْلِ، وأنْ يَكُونُوا
صفحة ١٠٢
مُوجِدِينَ لِأفْعالِهِمْ، وأنْ لا يَكُونَ تَعالى خالِقًا لِلْكُفْرِ فِيهِمْ. فَهَذِهِ الآيَةُ مِنَ المُحْكَماتِ الَّتِي لا احْتِمالَ فِيها البَتَّةَ، وجَوابُهُ قَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهم أرْبابُ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ فَعِنْدَ سَماعِهِمُ القُرْآنَ لا بُدَّ وأنْ يَعْلَمُوا كَوْنَهُ مُعْجِزًا، وإذا عَلِمُوا صِحَّةَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ووُجُوبَ طاعَتِهِ في الأوامِرِ والنَّواهِي، فَلا جَرَمَ اسْتَبْعَدَ اللَّهُ مِنهم عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ تَرْكَ السُّجُودِ والطّاعَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وعَطاءٌ والكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: المُرادُ مِنَ السُّجُودِ الصَّلاةُ وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الخُضُوعُ والِاسْتِكانَةُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ نَفْسُ السُّجُودِ عِنْدَ آياتٍ مَخْصُوصَةٍ، وهَذِهِ الآيَةُ مِنها.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«قَرَأ ذاتَ يَوْمٍ: ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾[العلق: ١٩] فَسَجَدَ هو ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقُرَيْشٌ تُصَفِّقُ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ وتُصَفِّرُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» “ واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ عَلى وُجُوبِ السَّجْدَةِ بِهَذا مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ فِعْلَهُ ﷺ يَقْتَضِي الوُجُوبَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبِعُوهُ﴾[الأعراف: ١٥٨] .
والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّ مَن يَسْمَعُهُ فَلا يَسْجُدُ، وحُصُولُ الذَّمِّ عِنْدَ التَّرْكِ يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لَيْسَ في المُفَصَّلِ سَجْدَةٌ، «وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ سَجَدَ هاهُنا، وقالَ: واللَّهِ ما سَجَدْتُ فِيها إلّا بَعْدَ أنْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِيها»، وعَنْ أنَسٍ صَلَّيْتُ خَلْفَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ، فَسَجَدُوا وعَنِ الحَسَنِ هي غَيْرُ واجِبَةٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ فالمَعْنى أنَّ الدَّلائِلَ المُوجِبَةَ لِلْإيمانِ، وإنْ كانَتْ جَلِيَّةً ظاهِرَةً لَكِنَّ الكُفّارَ يُكَذِّبُونَ بِها إمّا لِتَقْلِيدِ الأسْلافِ، وإمّا لِلْحَسَدِ وإمّا لِلْخَوْفِ مِن أنَّهم لَوْ أظْهَرُوا الإيمانَ لَفاتَتْهم مَناصِبُ الدُّنْيا ومَنافِعُها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ فَأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الوِعاءِ، فَيُقالُ: أوْعَيْتُ الشَّيْءَ أيْ جَعَلْتُهُ في وِعاءٍ كَما قالَ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَجْمَعُونَ في صُدُورِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ فَهو مُجازِيهِمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ اسْتَحَقُّوهُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ وكُفْرِهِمْ.أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، وقالَ: الأكْثَرُونَ مَعْناهُ إلّا مَن تابَ مِنهم فَإنَّهم وإنْ كانُوا في الحالِ كُفّارًا إلّا أنَّهم
صفحة ١٠٣
مَتى تابُوا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ وهو الثَّوابُ العَظِيمُ.وفِي مَعْنى: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ الثَّوابَ يَصِلُ إلَيْهِمْ بِلا مَنٍّ ولا أذًى.
وثانِيها: مِن غَيْرِ انْقِطاعٍ.
وثالِثُها: مِن غَيْرِ تَنْغِيصٍ.
ورابِعُها: مِن غَيْرِ نُقْصانٍ؛ والأوْلى أنْ يُحْمَلَ